💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أَلَا تُسْمِعنَا مِنْ هُنَيَّاتك ) وَفِي بَعْض النُّسَخ ( مِنْ هُنَيْهَاتك ) أَيْ : أَرَاجِيزك , وَالْهَنَة يَقَع عَلَى كُلّ شَيْء , وَفِيهِ : جَوَاز إِنْشَاء الْأَرَاجِيز وَغَيْرهَا مِنْ الشِّعْر وَسَمَاعهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَلَام مَذْمُوم , وَالشِّعْر كَلَام حَسَنه حَسَن , وَقَبِيحه قَبِيح. قَوْله : ( فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب الْحُدَا فِي الْأَسْفَار , لِتَنْشِيطِ النُّفُوس وَالدَّوَابّ عَلَى قَطْع الطَّرِيق وَاشْتِغَالهَا بِسَمَاعِهِ عَنْ الْإِحْسَاس بِأَلَمِ السَّيْر. قَوْله : ( اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا ) كَذَا الرِّوَايَة قَالُوا وَصَوَابه فِي الْوَزْن ( لَا هُمَّ أَوْ وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ ) كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر ( فَوَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّه ). قَوْله : ( فَاغْفِرْ فِدَاء لَك مَا اِقْتَفَيْنَا ) قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَة مُشْكِلَة , فَإِنَّهُ لَا يُقَال : فَدَى الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَلَا يُقَال لَهُ سُبْحَانه : فَدَيْتُك ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي مَكْرُوه يُتَوَقَّع حُلُوله بِالشَّخْصِ فَيَخْتَار شَخْص آخَر أَنْ يَحِلّ ذَلِكَ بِهِ وَيَفْدِيه مِنْهُ , قَالَ : وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ غَيْر قَصْد إِلَى حَقِيقَة مَعْنَاهُ , كَمَا يُقَال : قَاتَلَهُ اللَّه , وَلَا يُرَاد بِذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء عَلَيْهِ , وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَرِبَتْ يَدَاك وَتَرِبَتْ يَمِينك وَوَيْل أُمّه ) وَفِيهِ كُلّه ضَرْب مِنْ الِاسْتِعَارَة ; لِأَنَّ الْفَادِي مُبَالِغ فِي طَلَب رِضَى الْمُفَدَى حِين بَذَلَ نَفْسه عَنْ نَفْسه لِلْمَكْرُوهِ , فَكَانَ مُرَاد الشَّاعِر أَنِّي أَبْذُل نَفْسِي فِي رِضَاك , وَعَلَى كُلّ حَال , فَإِنَّ الْمَعْنَى وَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفه إِلَى جِهَة صَحِيحَة , فَإِطْلَاق اللَّفْظ وَاسْتِعَارَته وَالتَّجَوُّز بِهِ يَفْتَقِر إِلَى وُرُود الشَّرْع بِالْإِذْنِ فِيهِ , قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : فِدَاء لَك رَجُلًا يُخَاطِبهُ , وَفَصَلَ بَيْن الْكَلَام , فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَاغْفِرْ ثُمَّ دَعَا إِلَى رَجُل يُنَبِّههُ , فَقَالَ : فِدَاء لَك ثُمَّ عَادَ إِلَى تَمَام الْكَلَام الْأَوَّل فَقَالَ : مَا اِقْتَفَيْنَا , قَالَ : وَهَذَا تَأْوِيل يَصِحّ مَعَهُ اللَّفْظ , وَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا اِضْطَرَّنَا إِلَيْهِ تَصْحِيح الْكَلَام , وَقَدْ يَقَع فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ الْفَصْل بَيْن الْجُمَل الْمُعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْضٍ مَا يُسَهِّل هَذَا التَّأْوِيل. قَوْله : ( إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ( أَتَيْنَا ) بِالْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّله , وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ , فَمَعْنَى الْمُثَنَّاة : إِذَا صِيحَ بِنَا لِلْقِتَالِ وَنَحْوه مِنْ الْمَكَارِم أَتَيْنَا , وَمَعْنَى الْمُوَحَّدَة : أَبَيْنَا الْفِرَار وَالِامْتِنَاع , قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : قَوْله : ( فِدَاء لَك ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْر وَالْفَاء مَكْسُورَة , حَكَاهُ الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره , فَأَمَّا فِي الْمَصْدَر فَالْمَدّ لَا غَيْر , قَالَ : وَحَكَى الْفَرَّاء ( فَدًى لَك ) مَفْتُوح مَقْصُور , قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ هُنَا ( فِدَاء لَك ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَره , أَيْ لَك نَفْسِي فِدَاء , أَوْ نَفْسِي فِدَاء لَك , وَالنَّصْب عَلَى الْمَصْدَر. وَمَعْنَى ( اِقْتَفَيْنَا ) : اِكْتَسَبْنَا , وَأَصْله الِاتِّبَاع. قَوْله : ( وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ) اِسْتَغَاثُوا بِنَا , وَاسْتَفْزَعُونَا لِلْقِتَالِ , قِيلَ : هِيَ مِنْ التَّعْوِيل عَلَى الشَّيْء وَهُوَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ , قِيلَ : مِنْ الْعَوِيل وَهُوَ الصَّوْت. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ هَذَا السَّائِق ؟ قَالُوا : عَامِر , قَالَ : يَرْحَمهُ اللَّه , قَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : وَجَبَتْ يَا رَسُول اللَّه لَوْلَا أَمْتَعْتنَا بِهِ ) مَعْنَى ( وَجَبَتْ ) أَيْ : ثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَة , وَسَيَقَعُ قَرِيبًا , وَكَانَ هَذَا مَعْلُومًا عِنْدهمْ أَنَّ مَنْ دَعَا لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الدُّعَاء فِي هَذَا الْمَوْطِن اُسْتُشْهِدَ , فَقَالُوا : ( هَلَّا أَمْتَعْتنَا بِهِ ) أَيْ : وَدِدْنَا أَنَّك لَوْ أَخَّرْت الدُّعَاء لَهُ بِهَذَا إِلَى وَقْت آخَر ; لِنَتَمَتَّع بِمُصَاحَبَتِهِ وَرُؤْيَته مُدَّة. قَوْله : ( أَصَابَتْنَا مَخْمَصَة شَدِيدَة ) أَيْ جُوع شَدِيد. قَوْله : ( لَحْم حُمُر الْإِنْسِيَّة ) هَكَذَا هُوَ ( حُمُر الْإِنْسِيَّة ) بِإِضَافَةِ حُمُر , وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته , وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات , فَعَلَى هَذَا قَوْل الْكُوفِيِّينَ هُوَ عَلَى ظَاهِره , وَعِنْد الْبَصْرِيِّينَ تَقْدِيره حُمُر الْحَيَوَانَات الْإِنْسِيَّة , وَأَمَّا ( الْإِنْسِيَّة ) : فَفِيهَا لُغَتَانِ وَرِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاض وَآخَرُونَ , أَشْهَرهمَا : كَسْر الْهَمْزَة وَإِسْكَان النُّون. قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ رِوَايَة أَكْثَر الشُّيُوخ , وَالثَّانِيَة : فَتْحهمَا جَمِيعًا , وَهُمَا جَمِيعًا نِسْبَة إِلَى الْإِنْس , وَهُمْ النَّاس , لِاخْتِلَاطِهَا بِالنَّاسِ بِخِلَافِ حُمُر الْوَحْش. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا ) هَذَا يَدُلّ عَلَى نَجَاسَة لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة , وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحه مَعَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب النِّكَاح , وَمُخْتَصَر الْأَمْر بِإِرَاقَتِهِ : أَنَّ السَّبَب الصَّحِيح فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا لِأَنَّهَا نَجِسَة مُحَرَّمَة. وَالثَّانِي : أَنَّهُ نَهَى لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا , وَالثَّالِث : لِأَنَّهَا أَخَذُوهَا قَبْل الْقِسْمَة , وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ هُمَا لِأَصْحَابِ مَالِك الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَةِ لُحُومهَا , وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُل : أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا , قَالَ : أَوَ ذَاكَ ) فَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ , فَرَأَى كَسْرهَا ثُمَّ تَغَيَّرَ اِجْتِهَاده أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِغَسْلِهَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لَهُ لَأَجْرَانِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( لَأَجْرَانِ ) بِالْأَلِفِ وَفِي بَعْضهَا ( لَأَجْرَيْنِ ) بِالْيَاءِ , وَهُمَا صَحِيحَانِ , لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَشْهَر الْأَفْصَح وَالْأَوَّل لُغَة أَرْبَع قَبَائِل مِنْ الْعَرَب , وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } وَقَدْ سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات , وَيَحْتَمِل أَنَّ الْأَجْرَيْنِ ثَبَتَا لَهُ ; لِأَنَّهُ جَاهَدَ مُجَاهِد كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي شَرْحه , فَلَهُ أَجْر بِكَوْنِهِ جَاهِدًا أَيْ مُجْتَهِدًا فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى , شَدِيد الِاعْتِنَاء بِهَا , وَلَهُ أَجْر آخَر بِكَوْنِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اللَّه , فَلَمَّا قَامَ بِوَصْفَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِد ) هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُور مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ( لَجَاهِدٌ ) بِكَسْرِ الْهَاء وَتَنْوِينَ الدَّال ( مُجَاهِد ) بِضَمِّ الْمِيم وَتَنْوِينَ الدَّال أَيْضًا , وَفَسَّرُوا لَجَاهِدٌ بِالْجَادِّ فِي عِلْمه وَعَمَله , أَيْ : لَجَادّ فِي طَاعَة اللَّه , وَالْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه , وَهُوَ الْغَازِي , وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ وَجْه آخَر جَمَعَ اللَّفْظَيْنِ تَوْكِيدًا , قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : الْعَرَب إِذَا بَالَغَتْ فِي تَعْظِيم شَيْء اِشْتَقَّتْ لَهُ مِنْ لَفْظه لَفْظًا آخَر عَلَى غَيْر بِنَائِهِ زِيَادَة فِي التَّوْكِيد , وَأَعْرَبُوهُ بِإِعْرَابِهِ فَيَقُولُونَ : جَادّ مُجِدّ , وَلَيْل لَائِل وَشِعْر شَاعِر , وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ وَبَعْض رُوَاة مُسْلِم : ( لَجَاهَدَ ) بِفَتْحِ الْهَاء وَالدَّال عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاض ( مَجَاهِد ) بِفَتْحِ الْمِيم وَنَصْب الدَّال بِلَا تَنْوِينٍ , قَالَ : وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَلَّ عَرَبِيّ مَشَى بِهَا مِثْله ) ضَبَطْنَا هَذِهِ اللَّفْظَة هُنَا فِي مُسْلِم بِوَجْهَيْنِ , وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَيْضًا , الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير رُوَاة الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ( مَشَى بِهَا ) بِفَتْحِ الْمِيم وَبَعْد الشِّين يَاء , وَهُوَ فِعْل مَاضٍ مِنْ الْمَشْي , وَ ( بِهَا ) جَارّ وَمَجْرُور , وَمَعْنَاهُ : مَشَى بِالْأَرْضِ أَوْ فِي الْحَرْب , وَالثَّانِي ( مُشَابِهًا ) بِضَمِّ الْمِيم وَتَنْوِين الْهَاء مِنْ الْمُشَابَهَة , أَيْ : مُشَابِهًا لِصِفَاتِ الْكَمَال فِي الْقِتَال أَوْ غَيْره مِثْله , وَيَكُون ( مُشَابِهًا ) مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوف أَيْ : رَأَيْته مُشَابِهًا , وَمَعْنَاهُ : قَلَّ عَرَبِيّ يُشْبِههُ فِي جَمِيع صِفَات الْكَمَال , وَضَبَطَهُ بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ ( نَشَأَ بِهَا ) بِالنُّونِ وَالْهَمْز أَيْ : شَبَّ وَكَبِرَ , وَالْهَاء عَائِدَة إِلَى الْحَرْب , أَوْ الْأَرْض , أَوْ بِلَاد الْعَرَب , قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ أَوْجُه الرِّوَايَات.