💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّان , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَسَعْد هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن كَعْب أَيْ اِبْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ. قَوْله : ( كَالْخَامَةِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم هِيَ الطَّاقَة الطَّرِيَّة اللَّيِّنَة أَوْ الْغَضَّة أَوْ الْقَضْبَة , قَالَ الْخَلِيل : الْخَامَة الزَّرْع أَوَّل مَا يَنْبُت عَلَى سَاق وَاحِد وَالْأَلِف مِنْهَا مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الْقَزَّاز أَنَّهُ ذَكَرهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء , وَفَسَّرَهَا بِالطَّاقَةِ مِنْ الزَّرْع. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي حَدِيث جَابِر " مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل السُّنْبُلَة تَسْتَقِيم مَرَّة وَتَخِرّ أُخْرَى " وَلَهُ فِي حَدِيث لِأُبَيّ بْن كَعْب " مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل الْخَامَة تَحْمَرّ مَرَّة وَتَصْفَرّ أُخْرَى ". قَوْله : ( تُفَيِّئهَا ) بِفَاءٍ وَتَحْتَانِيَّة مَهْمُوز أَيْ تُمَيِّلهَا وَزْنه وَمَعْنَاهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ : هُنَا لَمْ يَذْكُر الْفَاعِل وَهُوَ الرِّيح , وَبِهِ يَتِمّ الْكَلَام , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي " بَاب كَفَّارَة الْمَرَض " وَهَذَا مِنْ أَعْجَب مَا وَقَعَ لَهُ فَإِنَّ هَذَا الْبَاب الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ ذَلِكَ هُوَ " بَاب كَفَّارَة الْمَرَض " وَلَفْظ الرِّيح ثَابِت فِيهِ عِنْد مُعْظَم الرُّوَاة , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّ مَعْنَى تُفَيِّئُهَا تُرْقِدهَا , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَة فَاءَ إِذَا رَقَدَ. قُلْت : لَعَلَّهُ تَفْسِير مَعْنًى , لِأَنَّ الرُّقُود رُجُوع عَنْ الْقِيَام وَفَاءَ يَجِيء بِمَعْنَى رَجَعَ. قَوْله : ( وَتَعْدِلهَا ) بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الدَّال , وَبِضَمِّ أَوَّله أَيْضًا وَفَتْح ثَانِيه وَالتَّشْدِيد. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم " تُفَيِّئُهَا الرِّيح تَصْرَعهَا مَرَّة وَتَعْدِلهَا أُخْرَى " وَكَأَنَّ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَال الرِّيح : فَإِنْ كَانَتْ شَدِيدَة حَرَّكَتْهَا فَمَالَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى تُقَارِب السُّقُوط , وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَة أَوْ إِلَى السُّكُون أَقْرَب أَقَامَتْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم " حَتَّى تَهِيج " أَيْ تَسْتَوِي وَيَكْمُل نُضْجهَا , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر مِثْله. قَوْله : ( وَمَثَل الْمُنَافِق ) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بَعْده " الْفَاجِر " وَفِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم " الْكَافِر ". قَوْله : ( كَالْأَرْزَةِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَقِيلَ : بِكَسْرِهَا وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا زَاي , كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ بِوَزْنِ فَاعِلَة وَهِيَ الثَّابِتَة فِي الْأَرْض , وَرَدَّهُ أَبُو عُبَيْد بِأَنَّ الرُّوَاة اِتَّفَقُوا عَلَى عَدَم الْمَدّ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي سُكُون الرَّاء وَتَحْرِيكهَا وَالْأَكْثَر عَلَى السُّكُون. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ : الرَّاء سَاكِنَة , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ نَبَات أَرْض الْعَرَب , وَلَا يَنْبُت فِي السِّبَاخ بَلْ يُطَوِّل طُولًا شَدِيدًا وَيَغْلُظ , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي الْخَبِير أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّنَوْبَر , وَأَنَّهُ لَا يَحْمِل شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَج مِنْ أَعْجَازه وَعُرُوقه الزِّفْت. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : الْأَرْز الْعَرْعَر , وَقِيلَ : شَجَر بِالشَّامِ يُقَال لِثَمَرِهِ الصَّنَوْبَر. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأَرَزَة مَفْتُوحَة الرَّاء وَاحِدَة الْأَرْز وَهُوَ شَجَر الصَّنَوْبَر فِيمَا يُقَال. وَقَالَ الْقَزَّاز : قَالَهُ قَوْم بِالتَّحْرِيكِ , وَقَالُوا : هُوَ شَجَر مُعْتَدِل صَلْب لَا يُحَرِّكهُ هُبُوب الرِّيح , وَيُقَال لَهُ الْأَرْزَن. قَوْله : ( اِنْجِعَافهَا ) بِجِيمٍ وَمُهْمَلَة ثُمَّ فَاء , أَيْ اِنْقِلَاعهَا ; تَقُول جَعَفْته فَانْجَعَفَ مِثْل قَلَعْته فَانْقَلَعَ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ اِنْكِسَارهَا مِنْ وَسَطهَا أَوْ أَسْفَلهَا. قَالَ الْمُهَلَّب : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمُؤْمِن حَيْثُ جَاءَهُ أَمْر اللَّه اِنْطَاعَ لَهُ , فَإِنْ وَقَعَ لَهُ خَيْر فَرِحَ بِهِ وَشَكَرَ , وَإِنْ وَقَعَ لَهُ مَكْرُوه صَبْر وَرَجَا فِيهِ الْخَيْر وَالْأَجْر , فَإِذَا اِنْدَفَعَ عَنْهُ اِعْتَدِلْ شَاكِرًا. وَالْكَافِر لَا يَتَفَقَّد اللَّه بِاخْتِيَارِهِ , بَلْ يَحْصُل لَهُ التَّيْسِير فِي الدُّنْيَا لِيَتَعَسَّر عَلَيْهِ الْحَال فِي الْمَعَاد , حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّه إِهْلَاكه قَصَمَهُ فَيَكُون مَوْته أَشَدّ عَذَابًا عَلَيْهِ وَأَكْثَر أَلَمًا فِي خُرُوج نَفْسه. وَقَالَ غَيْره : الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِن يَتَلَقَّى الْأَعْرَاض الْوَاقِعَة عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَظّه مِنْ الدُّنْيَا , فَهُوَ كَأَوَائِل الزَّرْع شَدِيد الْمَيَلَان لِضَعْفِ سَاقه , وَالْكَافِر بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَهَذَا فِي الْغَالِب مِنْ حَال الِاثْنَيْنِ. قَوْله : ( وَقَالَ زَكَرِيَّا ) هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْهُ وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَمُحَمَّد بْن بِشْر كِلَاهُمَا عَنْهُ. قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعْد ) هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور مِنْ قَبْل. قَوْله : ( حَدَّثَنِي اِبْن كَعْب ) يُرِيد أَنَّهُ مُغَايِر لِرِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ سَعْد فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدهمَا : إِيهَامه اِسْم اِبْن كَعْب , وَالثَّانِي : تَصْرِيحه بِالتَّحْدِيثِ , فَيُسْتَفَاد مِنْ رِوَايَة تَسْمِيَته وَمِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا التَّصْرِيح بِاتِّصَالِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عِنْد سُفْيَان تَسْمِيَته عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيهَامه فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا. وَيُسْتَفَاد مِنْ صَنِيع مُسْلِم فِي تَخْرِيج الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ سُفْيَان أَنَّ الِاخْتِلَاف إِذَا دَارَ عَلَى ثِقَة لَا يَضُرّ.