💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( كُنَّا نُنْهَى ) بِضَمِّ أَوَّله , وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. قَوْله ( وَلَا نَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْب عَصْب ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَة ثُمَّ سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ وَهِيَ بُرُود الْيَمَن يُعْصَب غَزْلهَا أَيْ يُرْبَط ثُمَّ يُصْبَغ ثُمَّ يُنْسَج مَعْصُوبًا فَيَخْرُج مُوشًى لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ بِهِ أَبْيَض لَمْ يَنْصَبِغ , وَإِنَّمَا يُعْصَب السَّدَى دُون اللُّحْمَة. وَقَالَ صَاحِب " الْمُنْتَهَى " الْعَصْب هُوَ الْمَفْتُول مِنْ بُرُود الْيَمَن. وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدَنِيّ فِي " ذَيْل الْغَرِيب " عَنْ بَعْض أَهْل الْيَمَن أَنَّهُ مِنْ دَابَّة بَحْرِيَّة تُسَمَّى فَرَس فِرْعَوْن يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَز وَغَيْره وَيَكُون أَبْيَض , وَهَذَا غَرِيب , وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ السُّهَيْلِيّ : إِنَّهُ نَبَات لَا يَنْبُت إِلَّا بِالْيَمَنِ وَعَزَاهُ لِأَبِي حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ , وَأَغْرَب مِنْهُ قَوْل الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد بِالثَّوْبِ الْعَصْب الْخَضِرَة وَهِيَ الْحِبَرَة , وَلَيْسَ لَهُ سَلَف فِي أَنَّ الْعَصْب الْأَخْضَر , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلْحَادَّةِ لُبْس الثِّيَاب الْمُعَصْفَرَة وَلَا الْمُصْبَغَة , إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاس الْحُزْن , وَكَرِهَ عُرْوَة الْعَصْب أَيْضًا , وَكَرِهَ مَالِك غَلِيظه. قَالَ النَّوَوِيّ : الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا تَحْرِيمه مُطْلَقًا , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَجَازَهُ , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُؤْخَذ مِنْ مَفْهُوم الْحَدِيث جَوَاز مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ وَهِيَ الثِّيَاب الْبِيض , وَمَنَعَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْمُرْتَفِع مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّن بِهِ , وَكَذَلِكَ الْأَسْوَد إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّن بِهِ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَرَخَّصَ أَصْحَابنَا فِيمَا لَا يُتَزَيَّن بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِير فَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة مَنْعه مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْر مَصْبُوغ , لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ وَالْحَادَّة مَمْنُوعَة مِنْ التَّزَيُّن فَكَانَ فِي حَقّهَا كَالرِّجَالِ , وَفِي التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة وَبِاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوه وَجْهَانِ الْأَصَحّ جَوَازه , وَفِيهِ نَظَر مِنْ جِهَة الْمَعْنَى فِي الْمَقْصُود بِلُبْسِهِ , وَفِي الْمَقْصُود بِالْإِحْدَادِ , فَإِنَّهُ عِنْد تَأَمُّلهَا يَتَرَجَّح الْمَنْعُ وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله ( وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا ) بِضَمِّ أَوَّله أَيْضًا وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. قَوْله ( عِنْد الطُّهْر إِذَا اِغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضهَا ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " حَيْضهَا " وَفِي الَّذِي بَعْده " وَلَا تَمَسّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرهَا إِذَا طَهُرَتْ ". قَوْله ( فِي نُبْذَة ) بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ قِطْعَة , وَتُطْلَق عَلَى الشَّيْء الْيَسِير. قَوْله ( مِنْ كُسْت أَظْفَار ) كَذَا فِيهِ بِالْكَافِ وَبِالْإِضَافَةِ , وَفِي الَّذِي بَعْده " مِنْ قُسْط وَأَظْفَار " بِقَافِ وَوَاو عَاطِفَة وَهُوَ أَوْجُه , وَخَطَّأَ عِيَاض الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَيْض. وَقَالَ بَعْده " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه " وَهُوَ الْبُخَارِيّ " الْقُسْط وَالْكُسْت مِثْل الْكَافُور وَالْقَافُور " أَيْ يَجُوز فِي كُلّ مِنْهُمَا الْكَاف وَالْقَاف وَزَادَ الْقُسْط أَنَّهُ يُقَال بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة بَدَل الطَّاء , فَأَرَادَ الْمِثْلِيَّة فِي الْحَرْف الْأَوَّل فَقَطْ. قَالَ النَّوَوِيّ : الْقُسْط وَالْأَظْفَار نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ الْبَخُور وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُود الطِّيب , رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْض لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة تَتْبَعُ بِهِ أَثَر الدَّم لَا لِلتَّطَيُّبِ. قُلْت : الْمَقْصُود مِنْ التَّطَيُّب بِهِمَا أَنْ يُخْلَطَا فِي أَجْزَاء أُخَر مِنْ غَيْرهمَا ثُمَّ تُسْحَق فَتَصِير طِيبًا , وَالْمَقْصُود بِهِمَا هُنَا كَمَا قَالَ الشَّيْخ أَنْ تَتَبَّعَ بِهِمَا أَثَر الدَّم لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة لَا لِلتَّطَيُّبِ , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا تَسْحَق الْقُسْط وَتُلْقِيه فِي الْمَاء آخِر غُسْلهَا لِتَذْهَب رَائِحَة الْحَيْض , وَرَدَّهُ عِيَاض بِأَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث يَأْبَاهُ , وَأَنَّهُ لَا يَحْصُل مِنْهُ رَائِحَة طَيِّبَة إِلَّا مِنْ التَّبَخُّر بِهِ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِسْتِعْمَال مَا فِيهِ مَنْفَعَة لَهَا مِنْ جِنْس مَا مُنِعَتْ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّزَيُّنِ أَوْ التَّطَيُّب كَالتَّدَهُّنِ بِالزَّيْتِ فِي شَعْر الرَّأْس أَوْ غَيْره.