💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( اِعْتَرَاك افْتَعَلَك مِنْ عَرَوْته أَيْ أَصَبْته , وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي ) هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْض الْخَمْس , وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ اِعْتَرَاك اِفْتَعَلْت بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِره وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَة , وَاعْتَرَى اِفْتَعَلَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَصَابَهُ , وَقَوْله : ( إِنْ نَقُول إِلَّا اِعْتَرَاك ) مَا بَعْدَ إِلَّا مَفْعُول بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ وَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضهمْ أَيْ مَا نَقُول إِلَّا هَذَا اللَّفْظ , فَالْجُمْلَة مَحْكِيَّة , نَحْو مَا قُلْت إِلَّا زَيْد قَائِم. قَوْله : ( آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ) هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ. قَوْله : ( عَنِيد وَعَنُود وَعَانِد وَاحِدٌ , هُوَ تَأْكِيد التَّجَبُّر ) هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة بِمَعْنَاهُ , لَكِنْ قَالَ : وَهُوَ الْعَادِل عَنْ الْحَقّ وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْمُعَارِض الْمُخَالِف. قَوْله : ( اِسْتَعْمَرَكُمْ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا , أَعْمَرْتُهُ الدَّار فَهِيَ عُمْرَى ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْهِبَة. قَوْله : ( نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِد ) هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَأَنْشَدَ " وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ". قَوْله : ( حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيل مِنْ مَاجِد مَحْمُود مِنْ حَمِدَ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَاَلَّذِي فِي كَلَام أَبِي عُبَيْدَة : حَمِيد مَجِيد أَيْ مَحْمُود مَاجِد , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَالْحَمِيد فَعِيل مِنْ حَمِدَ فَهُوَ حَامِد أَيْ يَحْمَد مَنْ يُطِيعهُ , أَوْ هُوَ حَمِيد بِمَعْنَى مَحْمُود , وَالْمَجِيد فَعِيل مِنْ مَجُدَ بِضَمِّ الْجِيم يَمْجُد كَشَرُفَ يَشْرُف وَأَصْله الرِّفْعَة. قَوْله : ( سِجِّيل الشَّدِيد الْكَبِير , سِجِّيل وَسِجِّين وَاحِد , وَاللَّام وَالنُّون أُخْتَانِ. وَقَالَ تَمِيم بْن مُقْبِل : وَرِجْلَة يَضْرِبُونَ الْبِيض ضَاحِيَةً ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَال سِجِّينَا هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة بِمَعْنَاهُ , قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( حِجَارَة مِنْ سِجِّيل ) هُوَ الشَّدِيد مِنْ الْحِجَارَة الصَّلْب , وَمِنْ الضَّرْب أَيْضًا قَالَ اِبْن مُقْبِل , فَذَكَرَهُ. قَالَ : وَقَوْله سِجِّيلًا أَيْ شَدِيدًا , وَبَعْضهمْ يُحَوِّل اللَّام نُونًا. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ : السِّجِّيل الشَّدِيد الْكَثِير. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن قُتَيْبَة بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى السِّجِّيل الشَّدِيد لَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ وَكَانَ يَقُول حِجَارَة سِجِّيلًا لِأَنَّهُ لَا يُقَال حِجَارَة مِنْ شَدِيد , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمَوْصُوف حُذِفَ. وَأَنْشَدَ غَيْر أَبِي عُبَيْدَة الْبَيْت الْمَذْكُور فَأَبْدَلَ قَوْله " ضَاحِيَةً " بِقَوْلِهِ " عَنْ عُرُض " وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَضَاد مُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْكَلِمَة فَارِسِيَّة فِي تَفْسِير سُورَة الْفِيل , وَقَدْ قَالَ الْأَزْهَرِيّ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فَارِسِيَّة فَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَب فَصَارَتْ , وَقِيلَ هُوَ اِسْم لِسَمَاءِ الدُّنْيَا , وَقِيلَ بَحْر مُعَلَّق بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض نَزَلَتْ مِنْهُ الْحِجَارَة , وَقِيلَ هِيَ جِبَال فِي السَّمَاء. ( تَنْبِيهٌ ) : تَمِيم بْن مُقْبِل هُوَ اِبْن خُبَيْبِ بْن عَوْف بْن قُتَيْبَة بْن الْعَجْلَان بْن كَعْب بْن عَامِر بْن صَعْصَعَة الْعَامِرِيّ ثُمَّ الْعَجْلَانِيّ , شَاعِر مُخَضْرَم أَدْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام , وَكَانَ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا , وَلَهُ قِصَّة مَعَ عُمَر , ذَكَرَهُ الْمَرْزُبَانِيّ " وَرَجْلَة بِفَتْحِ الرَّاء وَيَجُوز كَسْرهَا عَلَى تَقْدِير ذَوِي رِجْلَة وَالْجِيم سَاكِنَة , وَحَكَى اِبْن التِّين فِي هَذَا الْحَاء الْمُهْمَلَة , وَالْبَيْض بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة جَمْع بَيْضَة وَهِيَ الْخُوذَة , أَوْ بِكَسْرِهَا جَمْع أَبْيَض وَهُوَ السَّيْف " فَعَلَى الْأَوَّل الْمُرَاد مَوَاضِع الْبِيض وَهِيَ الرُّءُوس , وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَاد يَضْرِبُونَ بِالْبِيضِ عَلَى نَزْع الْخَافِض وَالْأَوَّل أَوْجَه. وَضَاحِيَة أَيْ ظَاهِرَة , أَوْ الْمُرَاد فِي وَقْت الضَّحْوَة. وَتَوَاصَى أَصْله تَتَوَاصَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَرُوِيَ تَوَاصَتْ بِمُثَنَّاةِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّة فِي آخِرِهِ , وَقَوْله سِجِّينًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْجِيم , قَالَ الْحَسَن بْن الْمُظَفَّر : هُوَ فَعِيل مِنْ السَّجْن كَأَنَّهُ يُثَبِّت مَنْ وَقَعَ فِيهِ فَلَا يَبْرَح مَكَانَهُ , وَعَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بَدَلَ الْجِيم أَيْ ضَرْبًا حَارًّا.