📚 التخريج و شرح الألفاظ
(لا يغيضها سحاء الليل والنهار) ضبطناه بوجهين: نصب الليل والنهار ورفعهما. النصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل. (وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض) ضبطوه بوجهين: أحدهما الفيض بالفاء والياء والثاني القبض بالقاف والباء. وذكر القاضي أنه بالقاف وهو الموجود لأكثر الرواة. قال: وهو الأشهر والمعروف. قال ومعنى القبض الموت. وأما الفيض بالفاء فالإحسان والعطاء والرزق الواسع. قال وقد يكون بمعنى القبض، بالقاف، أي الموت. ومعنى يخفض ويرفع، قيل: هو عبارة عن تقدير الرزق يقتره على من يشاء ويوسعه على من يشاء. وقد يكونان عن تصرف المقادير بالخلق، بالعز والذل.
💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمِين اللَّه مَلْأَى سَحَّاء لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ضَبَطُوا ( سَحَّاء ) بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : سَحَّاء بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَصْدَر , وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ الْأَشْهُر , وَالثَّانِي : حَكَاهُ الْقَاضِي ( سَحَّاء ) بِالْمَدِّ عَلَى الْوَصْف , وَوَزْنه فَعَلَاء صِفَة لِلْيَدِ , وَالسَّحّ : الصَّبّ الدَّائِم , وَاللَّيْل وَالنَّهَار فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْف. وَمَعْنَى ( لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ ) أَيْ لَا يَنْقُصهَا , يُقَال : غَاضَ الْمَاء وَغَاضَهُ اللَّه , لَازِم وَمُتَعَدٍّ. قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيّ : هَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل ; لِأَنَّ الْيَمِين إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُنَاسِبَة لِلشِّمَالِ لَا يُوصَف بِهَا الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى ; لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن إِثْبَات الشِّمَال , وَهَذَا يَتَضَمَّن التَّحْدِيد , وَيَتَقَدَّس اللَّه سُبْحَانه عَنْ التَّجْسِيم وَالْحَدّ , وَإِنَّمَا خَاطَبَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ , وَأَرَادَ الْإِخْبَار بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَنْقُصُهُ الْإِنْفَاق , وَلَا يُمْسِك خَشْيَة الْإِمْلَاق جَلَّ اللَّه عَنْ ذَلِكَ. وَعَبَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَوَالِي النِّعَم بِسَحِّ الْيَمِين ; لِأَنَّ الْبَاذِل مِنَّا يَفْعَل ذَلِكَ بِيَمِينِهِ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِذَلِكَ أَنَّ قُدْرَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَلَى الْأَشْيَاء عَلَى وَجْه وَاحِد لَا يَخْتَلِف ضَعْفًا وَقُوَّة , وَأَنَّ الْمَقْدُورَات تَقَع بِهَا عَلَى جِهَة وَاحِدَة , وَلَا تَخْتَلِف قُوَّة وَضَعْفًا كَمَا يَخْتَلِف فِعْلنَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَال تَعَالَى اللَّه عَنْ صِفَات الْمَخْلُوقِينَ وَمُشَابَهَة الْمُحْدَثِينَ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْض ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ قُدْرَته سُبْحَانه وَتَعَالَى وَاحِدَة فَإِنَّهُ يَفْعَل بِهَا الْمُخْتَلِفَات وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِينَا لَا يُمْكِن إِلَّا بِيَدَيْنِ , عَبَّرَ عَنْ قُدْرَته عَلَى التَّصَرُّف فِي ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ لِيُفْهِمَهُمْ الْمَعْنَى الْمُرَاد بِمَا اِعْتَادُوهُ مِنْ الْخِطَاب عَلَى سَبِيل الْمَجَاز. هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ. قَوْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن رَافِع : ( لَا يَغِيضهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ : نَصْب اللَّيْل وَالنَّهَار وَرَفْعهمَا , النَّصْب عَلَى الظَّرْف , وَالرَّفْع عَلَى أَنَّهُ فَاعِل. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْض يَخْفِض وَيَرْفَع ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : ( الْفَيْض ) بِالْفَاءِ وَالْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْتُ. وَالثَّانِي : ( الْقَبْض ) بِالْقَافِ وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة , وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ بِالْقَافِ , وَهُوَ الْمَوْجُود لِأَكْثَرِ الرُّوَاة , قَالَ : وَهُوَ الْأَشْهَر وَالْمَعْرُوف , قَالَ : وَمَعْنَى الْقَبْض الْمَوْت , وَأَمَّا الْفَيْض - بِالْفَاءِ - فَالْإِحْسَان وَالْعَطَاء وَالرِّزْق الْوَاسِع , قَالَ : وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْقَبْض بِالْقَافِ أَيْ الْمَوْت , قَالَ الْبَكْرَاوِيّ : وَالْفَيْض : الْمَوْت. قَالَ الْقَاضِي قَيْس : يَقُولُونَ : فَاضَتْ نَفْسه - بِالضَّادِ - إِذَا مَاتَ , وَطَيٌّ يَقُولُونَ : فَاظَتْ نَفْسه بِالظَّاءِ. وَقِيلَ : إِذَا ذُكِرَتْ النَّفْس فَبِالضَّادِ , وَإِذَا قِيلَ : فَاظَ مِنْ غَيْر ذِكْر النَّفْس فَبِالظَّاءِ. وَجَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى : " وَبِيَدِهِ الْمِيزَان يَخْفِض وَيَرْفَع ". فَقَدْ يَكُون عِبَارَة عَنْ الرِّزْق وَمَقَادِيره , وَقَدْ يَكُون عِبَارَة عَنْ جُمْلَة الْمَقَادِير. وَمَعْنَى ( يَخْفِض وَيَرْفَع ) قِيلَ : هُوَ عِبَارَة عَنْ تَقْدِير الرِّزْق يَقْتُرهُ عَلَى مَنْ يَشَاء , وَيُوسِعُهُ عَلَى مَنْ يَشَاء , وَقَدْ يَكُونَانِ عِبَارَة عَنْ تَصَرُّف الْمَقَادِير بِالْخَلْقِ بِالْعِزِّ وَالذُّلّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.