💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك ) هُوَ اِبْن عُمَيْر. قَوْله : ( عَنْ أَبِي بُرْدَة قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى ) هَذَا صُورَته مُرْسَل , وَقَدْ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِطَرِيقِ سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ ظَاهِر الِاتِّصَال , وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالسُّؤَالِ عَنْ الْأَشْرِبَة , لَكِنْ الْغَرَض مِنْهُ إِثْبَات قِصَّة بَعْث أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَن وَهُوَ مَقْصُود الْبَاب , ثُمَّ قَوَّاهُ بِطَرِيقِ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : " حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْض قَوْمِي " الْحَدِيث , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِمَسْأَلَةِ الْإِهْلَال لَكِنَّهُ يُثْبِت أَصْل قِصَّة الْبَعْث الْمَقْصُودَة هُنَا أَيْضًا , ثُمَّ قَوَّى قِصَّة مُعَاذ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي وَصِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حِين أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَن , وَبِرِوَايَةِ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ مُعَاذ وَالْمُرَاد بِهَا أَيْضًا إِثْبَات أَصْل قِصَّة بَعْث مُعَاذ إِلَى الْيَمَن وَإِنْ كَانَ سِيَاق الْحَدِيث فِي مَعْنَى آخَر , وَقَدْ اِشْتَمَلَ الْبَاب عَلَى عِدَّة أَحَادِيث : الْحَدِيث الْأَوَّل أَصْل الْبَعْث إِلَى الْيَمَن , وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن هِلَال عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى سَبَب بَعْثه إِلَى الْيَمَن وَلَفْظه " قَالَ أَقْبَلْت وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ وَكِلَاهُمَا سَأَلَ - يَعْنِي أَنْ يَسْتَعْمِلهُ - فَقَالَ : لَنْ نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ , وَلَكِنْ اِذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَن , ثُمَّ أَتْبَعهُ مُعَاذ بْن جَبَل ". قَوْله : ( وَبَعَثَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَاف , قَالَ وَالْيَمَن مِخْلَافَانِ ) الْمِخْلَاف بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَآخِره فَاءَ هُوَ بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن , وَهُوَ الْكُورَة وَالْإِقْلِيم وَالرُّسْتَاق بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُثَنَّاة وَآخِرهَا قَاف. وَكَانَتْ جِهَة مُعَاذ الْعُلْيَا إِلَى صَوْب عَدَن وَكَانَ مِنْ عَمَله الْجَنَد بِفَتْحِ الْجِيم وَالنُّون , وَلَهُ بِهَا مَسْجِد مَشْهُور إِلَى الْيَوْم , وَكَانَتْ جِهَة أَبِي مُوسَى السُّفْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا , وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ مَعْنَى الثَّانِي مِنْ بَاب الْمُقَابَلَة الْمَعْنَوِيَّة , لِأَنَّ الْحَقِيقَة أَنْ يُقَال بَشِّرَا وَلَا تُنْذِرَا وَآنِسَا وَلَا تُنَفِّرَا. فَجَمَعَ بَيْنهمَا لِيَعُمّ الْبِشَارَة وَالنِّذَارَة وَالتَّأْنِيس وَالتَّنْفِير. قُلْت : وَيَظْهَر لِي أَنَّ النُّكْتَة فِي الْإِتْيَان بِلَفْظِ الْبِشَارَة وَهُوَ الْأَصْل , وَبِلَفْظِ التَّنْفِير وَهُوَ اللَّازِم , وَأَتَى بِاَلَّذِي بَعْده عَلَى الْعَكْس لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْإِنْذَار لَا يُنْفَى مُطْلَقًا بِخِلَافِ التَّنْفِير , فَاكْتَفَى بِمَا يَلْزَم عَنْهُ الْإِنْذَار وَهُوَ التَّنْفِير , فَكَأَنَّهُ قِيلَ إِنْ أَنْذَرْتُمْ فَلْيَكُنْ بِغَيْرِ تَنْفِير , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ). قَوْله : ( إِذَا سَارَ فِي أَرْضه كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبه أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ) كَذَا فِيهِ , وَلِلْأَكْثَرِ " إِذَا سَارَ فِي أَرْضه وَكَانَ قَرِيبًا أَحْدَث - أَيْ جَدَّدَ - بِهِ الْعَهْد لِزِيَارَتِهِ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة الْآتِيَة فِي الْبَاب " فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ , فَزَارَ مُعَاذ أَبَا مُوسَى " زَادَ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن هِلَال " فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَة قَالَ اِنْزِلْ ". قَوْله : ( وَإِذَا رَجُل عِنْده ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة أَنَّهُ يَهُودِيّ , وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن هِلَال فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مَعَ شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي مُدَّة اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , وَقَوْله : ( أَيَّمَ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَتَرْك إِشْبَاعهَا لُغَة , وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا وَأَصْله " أَيْ " الِاسْتِفْهَامِيَّة دَخَلَتْ عَلَيْهَا " مَا " وَقَدْ سُمِعَ " أَيْم هَذَا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْل " إِيشٍ هَذَا " فَحُذِفَتْ الْأَلِف مِنْ أَيْم وَالْهَمْز مِنْ إِيشٍ. قَوْله : ( ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ يَا عَبْد اللَّه ) هُوَ اِسْم أَبِي مُوسَى ( كَيْف تَقْرَأ الْقُرْآن ؟ قَالَ : أَتَفَوَّقهُ تَفَوُّقًا ) بِالْفَاءِ ثُمَّ الْقَاف أَيْ أُلَازِم قِرَاءَته لَيْلًا وَنَهَارًا شَيْئًا بَعْد شَيْء وَحِينًا بَعْد حِين : مَأْخُوذ مِنْ فَوَاق النَّاقَة وَهُوَ أَنْ تُحْلَب ثُمَّ تُتْرَك سَاعَة حَتَّى تَدِرّ ثُمَّ تُحْلَب هَكَذَا دَائِمًا. قَوْله : ( وَقَدْ قَضَيْت جُزْئِي ) قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : لَعَلَّهُ أَرْبِي وَهُوَ الْوَجْه , وَهُوَ كَمَا قَالَ لَوْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة , وَلَكِنْ الَّذِي جَاءَ فِي الرِّوَايَة صَحِيح وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ جَزَّأَ اللَّيْل أَجْزَاء : جُزْءًا لِلنَّوْمِ , وَجُزْءًا لِلْقِرَاءَةِ وَالْقِيَام , فَلَا يُلْتَفَت إِلَى تَخْطِئَة الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُوَجَّهَة بِمُجَرَّدِ التَّخَيُّل. قَوْله : ( فَاحْتَسَبْت نَوْمَتِي كَمَا اِحْتَسَبْت قَوْمَتِي ) كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ " فَأَحْتَسِب " بِغَيْرِ الْمُثَنَّاة فِي آخِره بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمُضَارِع , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطْلُب الثَّوَاب فِي الرَّاحَة كَمَا يَطْلُبهُ فِي التَّعَب , لِأَنَّ الرَّاحَة إِذَا قُصِدَ بِهَا الْإِعَانَة عَلَى الْعِبَادَة حَصَّلَتْ الثَّوَاب. ( تَنْبِيه ) : كَانَ بَعْث أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَن بَعْد الرُّجُوع مِنْ غَزْوَة تَبُوك , لِأَنَّهُ شَهِدَ غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِيمَا بَعْد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ عَالِمًا فَطِنًا حَاذِقًا , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِمَارَة , وَلَوْ كَانَ فَوَّضَ الْحُكْم لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْصِيَته بِمَا وَصَّاهُ بِهِ , وَلِذَلِكَ اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ عَلِيّ , وَأَمَّا الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فَطَعَنُوا فِيهِ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَفْلَة وَعَدَم الْفِطْنَة لِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّحْكِيم بِصِفِّينَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره : وَالْحَقّ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ مَا يَقْتَضِي وَصْفه بِذَلِكَ , وَغَايَة مَا وَقَعَ مِنْهُ أَنَّ اِجْتِهَاده أَدَّاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَل الْأَمْر شُورَى بَيْن مَنْ بَقِيَ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة مِنْ أَهْل بَدْر وَنَحْوهمْ لِمَا شَاهَدَ مِنْ الِاخْتِلَاف الشَّدِيد بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ بِصِفِّينَ , وَآلَ الْأَمْر إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ.