💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ نَافِع أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ) هَكَذَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا مُخْتَصَرًا , ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَوْصُولًا تَامًّا. وَقَدْ عَابَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ جَمْعهمَا لِأَنَّ قَوْله : " لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ " لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَيْ الرِّوَايَة الْأُولَى الْمُرْسَلَة , وَالْجَوَاب أَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا نَظَرَ إِلَى أَصْل الْحَدِيث لَا إِلَى النَّقْص وَالزِّيَادَة فِي أَلْفَاظ الرُّوَاة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد الْمُرْسَلَة لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ رِوَايَته مَرْجُوحَة , لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب شَيْخه أَيُّوب خَالَفُوهُ فِيهِ فَوَصَلُوهُ , بَلْ بَعْض أَصْحَاب حَمَّاد بْن زَيْد رَوَاهُ عَنْهُ مَوْصُولًا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ أَيْضًا هُنَا , عَلَى أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَإِنْ لَمْ يَقَع فِيهَا ذِكْر الْقُفُولِ مِنْ حُنَيْنٍ صَرِيحًا لَكِنَّهُ فِيهَا ضِمْنًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد مَعْمَر أَيْضًا مِمَّا هُوَ أُدْخِل فِي مَقْصُود الْبَاب كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , فَأَمَّا بَقِيَّة لَفْظ الرِّوَايَة الْأُولَى فَقَدْ سَاقَهَا هُوَ فِي فَرْض الْخُمُس بِلَفْظِ " أَنَّ عُمَر قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِي بِهِ. قَالَ : وَأَصَابَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْي حُنَيْنٍ فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْض بُيُوت مَكَّة " الْحَدِيث , وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب وَأَبِي الرَّبِيع الزَّهْرَانِي وَخَلَف بْن هِشَام كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع " أَنَّ عُمَر كَانَ عَلَيْهِ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَلَمَّا نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالْجِعِرَّانَةِ سَأَلَهُ عَنْهُ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِف " لَفْظ أَبِي الرَّبِيع قُلْت : وَكَانَ نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالْجِعِرَّانَةِ بَعْد رُجُوعه مِنْ الطَّائِف بِالِاتِّفَاقِ , وَكَذَا سَبْي حُنَيْنٍ إِنَّمَا قُسِّمَ بَعْد الرُّجُوع مِنْهَا فَاتَّحَدَتْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَمَعْمَر مَعْنَى , وَظَهَرَ رَدّ مَا اِعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَوْصُولًا فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : " وَقَالَ بَعْضهمْ عَنْ حَمَّاد إِلَخْ " فَالْمُرَاد بِحَمَّادِ اِبْن زَيْد , فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَهِيَ مُخَالِفَة لِسِيَاقِهِ , وَالْمُرَاد بِالْبَعْضِ الْمُبْهَم أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبِّيُّ , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه فَقَالَ : " أَخْبَرَنِي الْقَاسِم هُوَ اِبْن زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : " كَانَ عُمَر نَذَرَ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِي بِهِ " وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْدَة وَذَكَرَا فِيهِ إِنْكَار اِبْن عُمَر عُمْرَة الْجِعِرَّانَة , وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه , وَقَدْ أَوْضَحْته فِي " بَاب مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَة " مِنْ كِتَاب فَرْض الْخُمُس. وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَيُّوب مَوْصُولًا فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : " وَرَوَاهُ جَرِير بْن حَازِم وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر " فَرِوَايَة جَرِير بْن حَازِم وَصَلَهَا مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ جَرِير بْن حَازِم " أَنَّ أَيُّوب حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَالْجِعِرَّانَةِ بَعْد أَنْ رَجَعَ مِنْ الطَّائِف فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ أَعْتَكِف يَوْمًا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَكَيْف تَرَى ؟ قَالَ : اِذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا. وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَة مِنْ الْخُمُس , فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا النَّاس قَالَ عُمَر : يَا عَبْد اللَّه اِذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَة فَخَلّ سَبِيلهَا " فَاشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاق عَلَى فَوَائِد زَوَائِد , وَعُرِفَ وَجْه دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي " بَاب غَزْوَة حُنَيْنٍ " وَرِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مِنْهَال " حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب " مَقْرُونَة بِرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ فِي قِصَّة النَّذْر يَعْنِي دُون غَيْره مِنْ ذِكْر الْجَارِيَة وَالسَّبْي , وَقَدْ ذَكَرْت فِي فَرْض الْخُمُس كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَأَنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب , فَاخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْهُ , فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ , وَمِمَّنْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مُحَمَّد بْن أَبِي خَلَف وَهُوَ مِنْ شُيُوخ مُسْلِم أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَفِيهِ ذِكْر النَّذْر وَالسَّبْي وَالْجَارِيَة كَمَا فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم , وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق فِي قِصَّة الْجَارِيَة فَائِدَة أُخْرَى " قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو وَجْزَة يَزِيد بْن عُبَيْد السَّعْدِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى مِنْ سَبْي هَوَازِن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب جَارِيَة يُقَال لَهَا رَيْطَة بِنْت حِبَّانَ بْن عُمَيْر , وَأَعْطَى عُثْمَان جَارِيَة يُقَال لَهَا زَيْنَب بِنْت خِنَاس , وَأَعْطَى عُمَر قِلَابَةَ فَوَهَبَهَا لِابْنِهِ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَحَدَّثَنِي نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ. بَعَثْت جَارِيَتِي إِلَى أَخْوَالِي فِي بَنِي جُمَح لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا حَتَّى أَطُوف بِالْبَيْتِ , ثُمَّ أَتَيْتهمْ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس يَشْتَدُّونَ , قُلْت مَا شَأْنكُمْ ؟ قَالُوا : رَدّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَفَلَتَ دُونكُمْ صَاحِبَتكُمْ فَهِيَ فِي بَنِي جُمَح , فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوهَا " وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْله فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَنَّهُ وَهَبَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ , فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ عُمَر أَعْطَى إِحْدَى جَارِيَتَيْهِ لِوَلَدِهِ عَبْد اللَّه , وَاَللَّه أَعْلَم. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ أَعْطَى لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَآخَرِينَ مَعَهُ مِنْ الْجَوَارِي , وَأَنَّ جَارِيَة سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص اِخْتَارَتْهُ فَأَقَامَتْ عِنْده وَوَلَدَتْ لَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالِاعْتِكَافِ فِي بَابه , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالنَّذْرِ فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.