💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ) هُوَ اِبْن سَعِيد الضُّبَعِيُّ , لَهُ فِي الْبُخَارِيّ حَدِيثَانِ : هَذَا وَآخَر تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَبُو جَمْرَة هُوَ بِالْجِيمِ نَصْر بْن عِمْرَان. قَوْله : ( إِنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ لِأَخِيهِ ) هُوَ أُنَيْس. قَوْله : ( اِرْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي ) أَيْ وَادِي مَكَّة , وَفِي أَوَّل رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة الْمَاضِيَة فِي مَنَاقِب قُرَيْش " قَالَ لَنَا اِبْن عَبَّاس : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرّ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى. قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرّ : كُنْت رَجُلًا مِنْ غِفَار " وَهَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ اِبْن عَبَّاس تَلَقَّاهُ مِنْ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم قِصَّة إِسْلَام أَبِي ذَرّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْهُ وَفِيهَا مُغَايَرَة كَثِيرَة لِسِيَاقِ اِبْن عَبَّاس , وَلَكِنَّ الْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن وَأَوَّل حَدِيثه " خَرَجْنَا مِنْ قَوْمنَا غِفَار وَكَانُوا يَحِلُّونَ الشَّهْر الْحَرَام , فَخَرَجْت أَنَا وَأَخِي أُنَيْس وَأُمُّنَا , فَنَزَلْنَا عَلَى خَال لَنَا , فَحَسَدْنَا قَوْمه فَقَالُوا لَهُ : إِنَّك إِذَا خَرَجْت عَنْ أَهْلك خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْس , فَذَكَرَ لَنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا لَهُ : أَمَّا مَا مَضَى لَنَا مِنْ مَعْرُوفك فَقَدْ كَدَّرْته , فَتَحَمَّلْنَا عَلَيْهِ , وَجَلَسَ يَبْكِي , فَانْطَلَقْنَا نَحْو مَكَّة , فَنَافَرَ أَخِي أُنَيْس رَجُلًا إِلَى الْكَاهِن , فَخَيَّرَ أُنَيْسًا , فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلهَا مَعَهَا , قَالَ وَقَدْ صَلَّيْت يَا اِبْن أَخِي قَبْل أَنْ أَلْقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث سِنِينَ , قُلْت : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ قُلْت : فَأَيْنَ تُوَجَّه ؟ قَالَ : حَيْثُ يُوَجِّهنِي رَبِّي. قَالَ : فَقَالَ لِي أُنَيْس : إِنَّ لِي حَاجَة بِمَكَّة فَانْطَلَقَ , ثُمَّ جَاءَ فَقُلْت : مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : لَقِيت رَجُلًا بِمَكَّة عَلَى دِينك , يَزْعُم أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ. قُلْت فَمَا يَقُول النَّاس ؟ قَالَ يَقُولُونَ : شَاعِر كَاهِن سَاحِر. وَكَانَ أُنَيْس شَاعِرًا , فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْت كَلَام الْكَهَنَة فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ , وَلَقَدْ وَضَعْت قَوْله عَلَى أَقْرَاء الشِّعْر فَمَا يَلْتَئِم عَلَيْهَا , وَاَللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ. قُلْت : وَهَذَا الظَّاهِر مُغَايِر لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب " إِنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ لِأَخِيهِ مَا شَفَيْتنِي " وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيه بِتَفَاصِيل مِنْ كَلَامه وَأَخْبَاره فَلَمْ يَأْتِهِ إِلَّا بِمُجْمَلٍ. قَوْله : ( فَانْطَلَقَ الْأَخ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " فَانْطَلَقَ الْآخَر " أَيْ أُنَيْس , قَالَ عِيَاض : وَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ " فَانْطَلَقَ الْأَخ الْآخَر " وَالصَّوَاب الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَف لِأَبِي ذَرّ إِلَّا أَخ وَاحِد وَهُوَ أُنَيْس. قُلْت : وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ - أَيْ عَنْ الْمُثَنَّى - " فَانْطَلَقَ الْآخَر " حَسْب. قَوْله : ( حَتَّى قَدِمَهُ ) أَيْ الْوَادِي وَادِي مَكَّة , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ " فَانْطَلَقَ الْآخَر حَتَّى قَدِمَ مَكَّة ". قَوْله : ( رَأَيْته يَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق , وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَافَقَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عِنْد مُسْلِم , وَقَوْله : " وَكَلَامًا " مَنْصُوب بِالْعَطْفِ عَلَى الضَّمِير الْمَنْصُوب , وَفِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ الْكَلَام لَا يُرَى. وَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيل " عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاء بَارِدًا " وَفِيهِ الْوَجْهَانِ : الْإِضْمَار أَيْ وَسَقَيْتهَا , أَوْ ضَمَّنَ الْعَلَف مَعْنَى الْإِعْطَاء. وَهُنَا يُمْكِن أَنْ يُقَال : التَّقْدِير رَأَيْته يَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق , وَسَمِعْته يَقُول كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. أَوْ ضَمَّنَ الرُّؤْيَة مَعْنَى الْأَخْذ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " رَأَيْته يَأْمُر بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرّ " وَلَا إِشْكَال فِيهَا. قَوْله : ( وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَل عَنْهُ ) لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ قَوْمه يُؤْذُونَ مَنْ يَقْصِدهُ أَوْ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِ قَصْد مَنْ يَقْصِدهُ , أَوْ لِكَرَاهَتِهِمْ فِي ظُهُور أَمْره لَا يَدُلُّونَ مَنْ يَسْأَل عَنْهُ عَلَيْهِ , أَوْ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الِاجْتِمَاع بِهِ , أَوْ يَخْدَعُونَهُ حَتَّى يَرْجِع عَنْهُ. قَوْله : ( فَرَآهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّة أَبِي ذَرّ وَقَعَتْ بَعْد الْمَبْعَث بِأَكْثَر مِنْ سَنَتَيْنِ بِحَيْثُ يَتَهَيَّأ لِعَلِيٍّ أَنْ يَسْتَقِلّ بِمُخَاطَبَةِ الْغَرِيب وَيُضَيِّفهُ , فَإِنَّ الْأَصَحّ فِي سِنّ عَلِيّ حِين الْمَبْعَث كَانَ عَشْر سِنِينَ وَقِيلَ : أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ , هَذَا الْخَبَر يُقَوِّي الْقَوْل الصَّحِيح فِي سِنّه. قَوْله : ( فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيب ) فِي رِوَايَة : أَبِي قُتَيْبَة " فَقَالَ , كَأَنَّ الرَّجُل غَرِيب. قُلْت : نَعَمْ ". قَوْله : ( فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِل , فَانْطَلَقْت مَعَهُ ". قَوْله : ( أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ ) أَيْ أَمَا حَانَ , يُقَال نَالَ لَهُ بِمَعْنَى آنَ لَهُ , وَيُرْوَى " أَمَا آنَ " بِمَدِّ الْهَمْزَة وَ " آنَى " بِالْقَصْرِ وَبِفَتْحِ النُّون وَكُلّهَا بِمَعْنًى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة الْهِجْرَة فِي قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق " أَمَا آنَ لِلرَّحِيلِ " مِثْله وَقَوْله : " أَنْ يَعْلَم مَنْزِله " أَيْ مَقْصِده , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِيّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَعَوْته إِلَى بَيْته لِضِيَافَتِهِ ثَانِيًا , وَتَكُون إِضَافَة الْمَنْزِل إِلَيْهِ مَجَازِيَّة لِكَوْنِهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَّة , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْل أَبِي ذَرّ فِي جَوَابه " قُلْت لَا " كَمَا فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة. قَوْله : ( يَوْم الثَّالِث ) كَذَا فِيهِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِد الْجَامِع , وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه عِنْد التَّحْقِيق. قَوْله : ( فَعَادَ عَلِيّ عَلَى مِثْل ذَلِكَ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " فَغَدَا عَلَى مِثْل ذَلِكَ " وَفِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " فَقَالَ فَانْطَلِقْ مَعِي ". قَوْله : ( لَتُرْشِدَنَّنِي ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونَيْنِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِوَاحِدَةٍ مُدْغَمَة. قَوْله : ( فَأَخْبَرْته ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِيهِ اِلْتِفَات , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " فَأَخْبَرَهُ " عَلَى نَسَق مَا تَقَدَّمَ ". قَوْله : ( قُمْت كَأَنِّي أُرِيق الْمَاء ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة ( كَأَنِّي أُصْلِح نَعْلِي ) وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا. قَوْله : ( فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ ) أَيْ يَتْبَعهُ. قَوْله : ( وَدَخَلَ مِنْهُ ) قَالَ الدَّاوُدِيّ : فِيهِ الدُّخُول بِدُخُولِ الْمُتَقَدِّم , وَكَأَنَّ هَذَا قَبْل آيَة الِاسْتِئْذَان , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَا تُؤْخَذ الْأَحْكَام مِنْ مِثْل هَذَا. قُلْت : وَفِي كَلَام كُلّ مِنْهُمَا مِنْ النَّظَر مَا لَا يَخْفَى. قَوْله : ( فَسَمِعَ مِنْ قَوْله وَأَسْلَمَ مَكَانه ) كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِف عَلَامَات النَّبِيّ , فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا لَمْ يَتَرَدَّد فِي الْإِسْلَام , هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ اِلْتِقَاء أَبِي ذَرّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِدَلَالَةِ عَلِيّ , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت " أَنَّ أَبَا ذَرّ لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر فِي الطَّوَاف بِاللَّيْلِ , قَالَ : فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قُلْت : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته , قَالَ : فَكُنْت أَوَّل مَنْ حَيَّاهُ بِالسَّلَامِ , قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْت مِنْ بَنِي غِفَار , قَالَ : فَوَضَعَ يَده عَلَى جَبْهَته , فَقُلْت كَرِهَ أَنْ اِنْتَمَيْت إِلَى غِفَار " فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي شَأْن زَمْزَم , وَأَنَّهُ اِسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْن يَوْم وَلَيْلَة , وَفِيهِ " فَقَالَ أَبُو بَكْر : اِئْذَنْ لِي يَا رَسُول اللَّه فِي طَعَامه اللَّيْلَة , وَأَنَّهُ أَطْعَمَهُ مِنْ زَبِيب الطَّائِف " الْحَدِيث وَأَكْثَره مُغَايِر لِمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا عَنْ أَبِي ذَرّ , وَيُمْكِن التَّوْفِيق بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ أَوَّلًا مَعَ عَلِيّ ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الطَّوَاف أَوْ بِالْعَكْسِ , وَحَفِظَ كُلّ مِنْهُمَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , كَمَا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت مِنْ الزِّيَادَة مَا ذَكَرْنَاهُ فَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَيْضًا مِنْ الزِّيَادَة قِصَّته مَعَ عَلِيّ وَقِصَّته مَعَ الْعَبَّاس وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي التَّوْفِيق بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَكَلُّف شَدِيد , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت أَنَّ أَبَا ذَرّ أَقَامَ ثَلَاثِينَ لَا زَادَ لَهُ , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ زَاد وَقِرْبَة مَاء إِلَى غَيْر ذَلِكَ. قُلْت : وَيَحْتَمِل الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد بِالزَّادِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَا تَزَوَّدَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قَوْمه فَفَرَغَ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّة , وَالْقِرْبَة الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ كَانَ فِيهَا الْمَاء حَال السَّفَر فَلَمَّا أَقَامَ بِمَكَّة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَلْئِهَا وَلَمْ يَطْرَحهَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة الْمَذْكُورَة " فَجَعَلْت لَا أَعْرِفهُ , وَأَكْرَه أَنْ أَسْأَل عَنْهُ , وَأَشْرَب مِنْ مَاء زَمْزَم , وَأَكُون فِي الْمَسْجِد " الْحَدِيث. قَوْله : ( اِرْجِعْ إِلَى قَوْمك فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " اُكْتُمْ هَذَا الْأَمْر , وَارْجِعْ إِلَى قَوْمك فَأَخْبِرْهُمْ , فَإِذَا بَلَغَك ظُهُورنَا فَأَقْبِلْ " وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت " إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْض ذَات نَخْل , فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَوْمك عَسَى اللَّه أَنْ يَنْفَعهُمْ بِك " فَذَكَرَ قِصَّة إِسْلَام أَخِيهِ أُنَيْس وَأُمّه وَأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمهمْ غِفَار فَأَسْلَمَ نِصْفهمْ , الْحَدِيث. قَوْله : ( لَأَصْرُخَنَّ بِهَا ) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَرْفَع صَوْته جِهَارًا بَيْن الْمُشْرِكِينَ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَاب بَلْ عَلَى سَبِيل الشَّفَقَة عَلَيْهِ , فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّة عَلَى ذَلِكَ , وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز قَوْل الْحَقّ عِنْد مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الْأَذِيَّة لِمَنْ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ السُّكُوت جَائِزًا , وَالتَّحْقِيق أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْمَقَاصِد , وَبِحَسَبِ ذَلِكَ مُتَرَتِّب وُجُود الْأَجْر وَعَدَمه. قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ الْقَوْم ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِي " بِالْيَاءِ اللَّيِّنَة " فَقَامُوا " وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَنْ أَسْلَمَ صَابِيًا لِأَنَّهُ مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا اِنْتَقَلَ مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء. قَوْله : ( فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " فَضُرِبْت لِأَمُوتَ " أَيْ ضُرِبْت ضَرْبًا لَا يُبَالِي مَنْ ضَرَبَنِي أَنْ لَوْ أَمُوت مِنْهُ. قَوْله : ( فَأَقْلَعُوا عَنِّي ) أَيْ كَفُّوا. قَوْله : ( فَأَكَبَّ الْعَبَّاس عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة " فَقَالَ مِثْل مَقَالَته بِالْأَمْسِ " وَفِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى حُسْن تَأَتِّي الْعَبَّاس وَجَوْدَة فِطْنَته حَيْثُ تَوَصَّلَ إِلَى تَخْلِيصه مِنْهُمْ بِتَخْوِيفِهِمْ مِنْ قَوْمه أَنْ يُقَاصُّوهُمْ بِأَنْ يَقْطَعُوا طُرُق مَتْجَرهمْ , وَكَانَ عَيْشهمْ مِنْ التِّجَارَة , فَلِذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى الْكَفّ عَنْهُ , وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى تَقَدُّم إِسْلَام أَبِي ذَرّ , لَكِنَّ الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْمَبْعَث بِمُدَّةٍ طَوِيلَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِكَايَة عَنْ عَلِيّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَمِنْ قَوْله أَيْضًا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت " إِنِّي وُجِّهَتْ إِلَيَّ أَرْض ذَات نَخْل " , فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّ وُقُوع ذَلِكَ كَانَ قُرْب الْهِجْرَة وَاَللَّه أَعْلَم.