💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِسْتَعْمَلَ مَوْلَى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا ) بِالنُّونِ مُصَغَّر بِغَيْرِ هَمْز وَقَدْ يُهْمَز , وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة مَعَ إِدْرَاكه , وَقَدْ وَجَدْت لَهُ رِوَايَة عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمْر وَعَمْرو بْن الْعَاصِ , رَوَى عَنْهُ اِبْنه عُمَيْر وَشَيْخ مِنْ الْأَنْصَار وَغَيْرهمَا , وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَة ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى عَلِيّ لَمَّا قُتِلَ عَمَّار , ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَاب مَكَّة لِعُمَر بْن شَبَّة أَنَّ آل هَنِيٍّ يَنْتَسِبُونَ فِي هَمْدَانَ وَهُمْ مُوَالَى آل عُمَر , اِنْتَهَى. وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْفُضَلَاء النُّبَهَاء الْمَوْثُوق بِهِمْ لَمَا اِسْتَعْمَلَهُ عُمَر. قَوْله : ( عَلَى الْحِمَى ) , بَيْن اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن هَنِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرِّبْذَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض ذَلِكَ فِي كِتَاب الشُّرْب. قَوْله : ( اُضْمُمْ جَنَاحك عَنْ الْمُسْلِمِينَ ) أَيْ اُكْفُفْ يَدك عَنْ ظُلْمهمْ , وَفِي رِوَايَة مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِب " اُضْمُمْ جَنَاحك لِلنَّاسِ " وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ اُسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِك , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الرَّحْمَة وَالشَّفَقَة. قَوْله : ( وَاتَّقِ دَعْوَة الْمُسْلِمِينَ ) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي نُعَيْم " دَعْوَة الْمَظْلُوم ". قَوْله : ( وَأَدْخِلْ ) بِهَمْزَةِ مَفْتُوحَة وَمُعْجَمَة مَكْسُورَة , وَالصُّرَيْمَة بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّر وَكَذَا الْغَنِيمَة أَيْ صَاحِب الْقِطْعَة الْقَلِيلَة مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم , وَمُتَعَلِّق الْإِدْخَال مَحْذُوف وَالْمُرَاد الْمَرْعَى. قَوْله : ( وَإِيَّايَ ) فِيهِ تَحْذِير الْمُتَكَلِّم نَفْسه , وَهُوَ شَاذّ عِنْد النُّحَاة , كَذَا قِيلَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الشُّذُوذ فِي لَفْظه , وَإِلَّا فَالْمُرَاد فِي التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ تَحْذِير الْمُخَاطَب , وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسه حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَكُون أَبْلَغَ , وَنَحْوه نَهْي الْمَرْء نَفْسه وَمُرَاده نَهْي مَنْ يُخَاطِبهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَاب الْغُلُول. وَقَوْله فِيهِ " اِبْن عَوْف " هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَابْن عَفَّانَ هُوَ عُثْمَان , وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيق الْمِثَال لِكَثْرَةِ نِعَمهمَا لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَيَاسِير الصَّحَابَة , وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مَنْعهمَا الْبَتَّة , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْعَ الْمَرْعَى إِلَّا نِعَم أَحَد الْفَرِيقَيْنِ فَنِعَم الْمُقِلِّينَ أَوْلَى , فَنَهَاهُ عَنْ إِيثَارهمَا عَلَى غَيْرهمَا أَوْ تَقْدِيمهمَا قَبْل غَيْرهمَا , وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَة ذَلِكَ فِي نَفْس الْخَبَر. قَوْله : ( بِبَيْتِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةِ قَبْلهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بِلَفْظِ مُفْرَد الْبَيْت , وَلِلكُشْمِيهَنيّ بِنُونِ قَبْل التَّحْتَانِيَّة بِلَفْظِ جَمْع الْبَنِينَ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب. قَوْله : ( يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ) حَذَف الْمَقُول لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن فِي لَفْظ , وَالتَّقْدِير يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِير , يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا أَحَقّ وَنَحْو ذَلِكَ. قَوْله : ( أَفَتَارِكهمْ أَنَا ) اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَمَعْنَاهُ لَا أَتْرُكهُمْ مُحْتَاجِينَ , وَقَوْله " لَا أَبَا لَك " بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُوَحَّدَة , وَظَاهِره الدُّعَاء عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ عَلَى مَجَازه لَا عَلَى حَقِيقَته , وَهُوَ بِغَيْرِ تَنْوِين لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ وَإِلَّا فَالْأَصْل لَا أَبَالك , وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا مِنْ الْمَاء وَالْكَلَأ لَهَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْوِيضهمْ بِصَرْفِ الذَّهَب وَالْفِضَّة لَهُمْ لِسَدِّ خُلَّتهمْ , وَرُبَّمَا عَارَضَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاج إِلَى النَّقْد فِي صَرْفه فِي مَهَمٍّ آخَر. قَوْله : ( إِنَّهُمْ لَيُرَوْنَ ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة أَوَّله بِمَعْنَى الظَّنّ , وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَاد. وَقَوْله " أَنِّي قَدْ ظَلَمَتْهُمْ " قَالَ اِبْن التِّين يُرِيد أَرْبَاب الْمَوَاشِي الْكَثِيرَة , كَذَا قَالَ , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَاب الْمَوَاشِي الْقَلِيلَة لِأَنَّهُمْ الْمُعَظَّم وَالْأَكْثَر وَهُمْ أَهْل تِلْكَ الْبِلَاد مِنْ بِوَادِي الْمَدِينَة , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل عُمَر " إِنَّهَا لَبِلَادهمْ " وَإِنَّمَا سَاغَ لِعُمَر ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَوَاتًا فَحَمَاهُ لِنِعَمِ الصَّدَقَة لِمَصْلَحَةِ عُمُوم الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات " عَنْ مَعَن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ عُمَر أَتَاهُ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِلَادنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام , ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا ؟ فَجَعَلَ عُمَر يَنْفُخ وَيَفْتِل شَارِبه " وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " غَرَائِب مَالِك " مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك بِنَحْوِهِ وَزَادَ " فَلَمَّا رَأَى الرَّجُل ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ , فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ قَالَ : الْمَال مَال اللَّه وَالْعِبَاد عِبَاد اللَّه , مَا أَنَا بِفَاعِل " وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَدْخُل اِبْن عَفَّانَ وَلَا اِبْن عَوْف فِي قَوْله " قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة " فَالْكَلَام عَائِد عَلَى عُمُوم أَهْل الْمَدِينَة لَا عَلَيْهِمَا وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا قَالَ عُمَر ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة أَسْلَمُوا عَفْوًا وَكَانَتْ أَمْوَالهمْ لَهُمْ , وَلِهَذَا سَاوَمَ بَنِي النَّجَّار بِمَكَانِ مَسْجِده , قَالَ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الصُّلْح فَهُوَ أَحَقّ بِأَرْضِهِ , وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الْعَنْوَة فَأَرْضه فَيْء لِلْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ أَهْل الْعَنْوَة غُلِبُوا عَلَى بِلَادهمْ كَمَا غُلِبُوا عَلَى أَمْوَالهمْ بِخِلَافِ أَهْل الصُّلْح فِي ذَلِكَ. وَفِي نَقْل الِاتِّفَاق نَظَر لِمَا بَيَّنَّا أَوَّل الْبَاب , وَهُوَ وَمَنْ بَعْده حَمَلُوا الْأَرْض عَلَى أَرْض أَهْل الْمَدِينَة الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلهَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مِلْكهمْ , وَلَيْسَ الْمُرَاد ذَلِكَ هُنَا , وَإِنَّمَا حَمَى عَمَر بَعْض الْمَوَات مِمَّا فِيهِ نَبَات مِنْ غَيْر مُعَالَجَة أَحَد وَخَصَّ إِبِل الصَّدَقَة وَخُيُول الْمُجَاهِدِينَ , وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مُقِلًّا أَن يَرْعَى فِيهِ مَوَاشِيَه رِفْقًا بِهِ , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِلْمُخَالِفِ. وَأَمَّا قَوْله " يَرَوْنَ أَنِّي ظَلَمْتُهُمْ " فَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ ; لَا أَنَّهُمْ مُنِعُوا حَقّهمْ الْوَاجِب لَهُمْ. قَوْله : ( لَوْلَا الْمَال الَّذِي أَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه ) أَيْ مِنْ الْإِبِل الَّتِي كَانَ يَحْمِل عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِد مَا يَرْكَب , وَجَاءَ عَنْ مَالِك أَنَّ عِدَّة مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْد عُمَر بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إِبِل وَخَيْل وَغَيْرهَا , وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ فِيهِ عُمَر مِنْ الْقُوَّة وَجَوْدَة النَّظَر وَالشَّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " غَرَائِب مَالِك " هُوَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح.