💡 شرح فتح الباري
قَوْله. ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر ) هُوَ الزُّهْرِيّ الْمَدَنِيّ صَاحِب مَالِك , وَسَقَطَ قَوْله أَبُو مُصْعَب مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر. وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ أَيْضًا وَكَذَا الَّذِي بَعْده. قَوْله : ( كَثِيرًا ) هُوَ صِفَة لِقَوْلِهِ حَدِيثًا لِأَنَّهُ اِسْم جِنْس. قَوْله : ( فَغَرَفَ ) لَمْ يَذْكُر الْمَغْرُوف مِنْهُ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ إِشَارَة مَحْضَة. قَوْله : ( ضُمَّ ) ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْبَاقِينَ " ضُمَّهُ " وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَيَجُوز ضَمّهَا , وَقِيلَ يَتَعَيَّن لِأَجْلِ ضَمَّة الْهَاء , وَيَجُوز كَسْرهَا لَكِنْ مَعَ إِسْكَان الْهَاء وَكَسْرهَا. قَوْله : ( فَمَا نَسِيت شَيْئًا بَعْدُ ) هُوَ مَقْطُوع الْإِضَافَة مَبْنِيّ عَلَى الضَّمّ , وَتَنْكِير شَيْئًا بَعْد النَّفْي ظَاهِر الْعُمُوم فِي عَدَم النِّسْيَان مِنْهُ لِكُلِّ شَيْء مِنْ الْحَدِيث وَغَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي " فَوَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيت شَيْئًا سَمِعْته مِنْهُ " , وَفِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم : " فَمَا نَسِيت بَعْد ذَلِكَ الْيَوْم شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ " وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيص عَدَم النِّسْيَان بِالْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب : " فَمَا نَسِيت مِنْ مَقَالَته تِلْكَ مِنْ شَيْء " وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَم النِّسْيَان بِتِلْكَ الْمَقَالَة فَقَطْ ; لَكِنَّ سِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة يُونُس وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة نَبَّهَ بِهِ عَلَى كَثْرَة مَحْفُوظه مِنْ الْحَدِيث فَلَا يَصِحّ حَمْله عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَة وَحْدهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون وَقَعَتْ لَهُ قَضِيَّتَانِ : فَاَلَّتِي رَوَاهَا الزُّهْرِيّ مُخْتَصَّة بِتِلْكَ الْمَقَالَة , وَالْقَضِيَّة الَّتِي رَوَاهَا سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ عَامَّة. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عَمْرو بْن أُمَيَّة قَالَ : تَحَدَّثْت عِنْد أَبِي هُرَيْرَة بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ , فَقُلْت إِنِّي سَمِعْت مِنْك , فَقَالَ : إِنْ كُنْت سَمِعْته مِنِّي فَهُوَ مَكْتُوب عِنْدِي. فَقَدْ يُتَمَسَّك بِهِ فِي تَخْصِيص عَدَم النِّسْيَان بِتِلْكَ الْمَقَالَة لَكِنَّ سَنَدَ هَذَا ضَعِيف , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَهُوَ نَادِر. وَيَلْتَحِق بِهِ حَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْهُ " لَا عَدْوَى " فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَنْكَرَهُ. قَالَ : فَمَا رَأَيْته نَسِيَ شَيْئًا غَيْره. ( فَائِدَة ) : الْمَقَالَة الْمُشَار إِلَيْهَا فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ أُبْهِمَتْ فِي جَمِيع طُرُقه , وَقَدْ وَجَدْتهَا مُصَرَّحًا بِهَا فِي جَامِع التِّرْمِذِيّ وَفِي الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُل يَسْمَع كَلِمَة أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِمَّا فَرَضَ اللَّه فَيَتَعَلَّمهُنَّ وَيُعَلِّمهُنَّ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة " فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي هُرَيْرَة وَمُعْجِزَة وَاضِحَة مِنْ عَلَامَات النُّبُوَّة ; لِأَنَّ النِّسْيَان مِنْ لَوَازِم الْإِنْسَان , وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي الْمُسْتَدْرَك لِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : " كُنْت أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَة وَآخَر عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُدْعُوَا. فَدَعَوْت أَنَا وَصَاحِبِي وَأَمَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك مِثْل مَا سَأَلَك صَاحِبَايَ , وَأَسْأَلك عِلْمًا لَا يُنْسَى. فَأَمَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه , فَقَالَ : سَبَقَكُمَا الْغُلَام الدَّوْسِيّ " وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى حِفْظ الْعِلْم , وَفِيهِ أَنَّ التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا أَمْكَن لِحِفْظِهِ. وَفِيهِ فَضِيلَة التَّكَسُّب لِمَنْ لَهُ عِيَال , وَفِيهِ جَوَاز إِخْبَار الْمَرْء بِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَة إِذْ اُضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ وَأُمِنَ مِنْ الْإِعْجَاب. قَوْله : ( اِبْن أَبِي فُدَيْك بِهَذَا ) أَشْكَلَ قَوْله بِهَذَا عَلَى بَعْض الشَّارِحِينَ لِأَنَّ اِبْن أَبِي فُدَيْك لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ ذِكْر , وَقَدْ ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن دِينَار الْمَذْكُور قَبْل , فَيَكُون مُرَاده أَنَّ السِّيَاقَيْنِ مُتَّحِدَانِ إِلَّا فِي اللَّفْظَة الْمُبَيَّنَة فِيهِ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ اِبْن أَبِي فُدَيْك اِسْمه مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم وَهُوَ لَيْثِيّ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيل , وَابْن دِينَار جُهَنِيّ يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه , لَكِنْ اِشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَة عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب لِهَذَا الْحَدِيث وَلِغَيْرِهِ , وَفِي كَوْنهمَا مَدَنِيَّيْنِ , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون الْحَدِيث عِنْد الْمُصَنِّف بِإِسْنَادٍ آخَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَكُلّ ذَلِكَ غَفْلَة عَمَّا عِنْد الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَقَدْ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَالْمَتْن مِنْ غَيْر تَغْيِير إِلَّا فِي قَوْله : " بِيَدَيْهِ " فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا بِالْإِفْرَادِ , وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا : " فَغَرَفَ " وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ فِي حَدِيث الْبَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده " فَحَذَفَ " بَدَل فَغَرَفَ , وَهُوَ تَصْحِيف لِمَا وَضَحَ فِي سِيَاقه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات عَنْ اِبْن أَبِي فُدَيْك فَقَالَ : فَغَرَفَ.