💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة ) أَيْ قُرْب طُلُوعه , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ " خَرَجْنَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة " وَالْخَمْس قَرِيبَة مِنْ آخِر الشَّهْر , فَوَافَاهُمْ الْهِلَال وَهُمْ فِي الطَّرِيق لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّة فِي الرَّابِع مِنْ ذِي الْحِجَّة. قَوْله : ( لَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ ) فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ " لَأَحْلَلْت " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ مِنْ الْحَجّ. قَوْله : ( أَرْسَلَ مَعِي عَبْد الرَّحْمَن إِلَى التَّنْعِيم , فَأَرْدَفَهَا ) فِيهِ اِلْتِفَات , لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَأَرْدَفَنِي. قَوْله : ( مَكَان عُمْرَتهَا ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهه وَأَنَّ الْمُرَاد مَكَان عُمْرَتهَا الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَكُون مُنْفَرِدَة عَنْ الْحَجّ , قَالَ عِيَاض وَغَيْره : الصَّوَاب فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات الْمُخْتَلِفَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِر رِوَايَة الْقَاسِم وَغَيْره عَنْهَا , ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى الْعُمْرَة لَمَّا فَسَخَ الصَّحَابَة , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل قَوْل عُرْوَة عَنْهَا " أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ " فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا التَّحَلُّل مِنْ الْعُمْرَة لِأَجْلِ الْحَيْض وَجَاءَ وَقْت الْخُرُوج إِلَى الْحَجّ أَدْخَلَتْ الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة فَصَارَتْ قَارِنَة , وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَتْ , وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله لَهَا فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْهَا عِنْد مُسْلِم " طَوَافك يَسَعك لِحَجِّك وَعُمْرَتك " وَأَمَّا قَوْله لَهَا " هَذِهِ مَكَان عُمْرَتك " فَمَعْنَاهُ الْعُمْرَة الْمُنْفَرِدَة الَّتِي حَصَلَ لِغَيْرِهَا التَّحَلُّل مِنْهَا بِمَكَّة ثُمَّ أَنْشَئُوا الْحَجّ مُفْرَدًا , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَ لِعَائِشَة عُمْرَتَانِ. وَكَذَا قَوْلهَا " يَرْجِع النَّاس بِحَجٍّ وَعُمْرَة وَأَرْجِع بِحَجٍّ " أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِد وَعُمْرَة مُنْفَرِدَة , وَأَمَّا قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث " فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي وَلَا صَدَقَة وَلَا صَوْم " فَطَاهِره أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْل عَائِشَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة عَبَدَة بْن سُلَيْمَان وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر وَغَيْره , لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي الْحَيْض مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة إِلَخْ فَقَالَ فِي آخِره " قَالَ هِشَام وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ " فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمَنْ وَافَقَهُ مُدْرَج , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق وُهَيْب وَالْحَمَّادَيْنِ عَنْ هِشَام , وَوَقَعَ فِي الْحَدِيث مَوْضِع آخَر مُدْرَج وَهُوَ قَوْله قَبْل ذَلِكَ " فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا " فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام أَنَّهُ مِنْ قَوْل عُرْوَة , وَبَيَّنَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيع بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَقِب رِوَايَة عَبَدَة عَنْ هِشَام وَقَالَ فِيهِ " فَسَاقَ الْحَدِيث بِنَحْوِهِ " وَقَالَ فِي آخِره " قَالَ عُرْوَة فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا , قَالَ هِشَام : وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة " وَسَاقَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق مُسْلِم بِهَذَا الْإِسْنَاد بِتَمَامِهِ بِغَيْرِ حَوَالَة , وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام فَلَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ وَأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة بِدُونِ الزِّيَادَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْله " فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا " إِلَى آخِر الْحَدِيث لَيْسَ مِنْ قَوْل عَائِشَة وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام هِشَام بْن عُرْوَة حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا فِي الْعِرَاق فَوَهَمَ فِيهِ , فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنْ لَا دَلِيل فِيهِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَة لَمْ تَكُنْ قَارِنَة حَيْثُ قَالَ : لَوْ كَانَتْ قَارِنَة لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْهَدْي لِلْقِرَانِ , وَحُمِلَ قَوْله لَهَا " اُرْفُضِي عُمْرَتك " عَلَى ظَاهِره , لَكِنْ طَرِيق الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِف الْأَحَادِيث تَقْتَضِي مَا قَرَّرْنَاهُ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَنْهَا " فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَنْهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَأْمُرهَا بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمهَا بِهِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَشْكَلَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث " وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي " عَلَى جَمَاعَة , حَتَّى قَالَ عِيَاض : لَمْ تَكُنْ عَائِشَة قَارِنَة وَلَا مُتَمَتِّعَة وَإِنَّمَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخه إِلَى عُمْرَة فَمَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ حَيْضهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الْحَجّ فَأَكْمَلَتْهُ ثُمَّ أَحْرَمَتْ عُمْرَة مُبْتَدَأَة فَلَمْ يَجِب عَلَيْهَا هَدْي , قَالَ : وَكَأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَسْمَع قَوْلهَا " كُنْت مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ " وَلَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا " طَوَافك يَسْعَك لِحَجِّك وَعُمْرَتك " وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَام مُدْرَج قَوْل هِشَام كَأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمه , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ نَفْيه فِي نَفْس الْأَمْر. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله " لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي " أَيْ لَمْ تَتَكَلَّف لَهُ بَلْ قَامَ بِهِ عَنْهَا اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : مَعْنَى قَوْله " لَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي " أَيْ فِي تَرْكهَا لِعَمَلِ الْعُمْرَة الْأُولَى وَإِدْرَاجهَا لَهَا فِي الْحَجّ , وَلَا فِي عُمْرَتهَا الَّتِي اِعْتَمَرَتْهَا مِنْ التَّنْعِيم أَيْضًا , وَهَذَا تَأْوِيل حَسَن وَاللَّه أَعْلَم.