مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَمَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ قَالَ " لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ " . أَوْ " لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ " . وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي مُوسَى . قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ صِيَامَ الدَّهْرِ وَأَجَازَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ وَقَالُوا إِنَّمَا يَكُونُ صِيَامُ الدَّهْرِ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَمَنْ أَفْطَرَ هَذِهِ الأَيَّامَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْكَرَاهِيَةِ وَلاَ يَكُونُ قَدْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ . هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ نَحْوًا مِنْ هَذَا وَقَالاَ لاَ يَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ أَيَّامًا غَيْرَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الأَيَّامِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ ) هُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ. قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : اِخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ مَعْنَاهُ , فَقِيلَ هَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ كَرَاهَةً لِصَنِيعِهِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ , فَعَدَمُ إِفْطَارِهِ ظَاهِرٌ , وَأَمَّا عَدَمُ صَوْمِهِ فَلِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ , وَقِيلَ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَقِيلَ ; لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ وَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى إِلْقَاءِ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَإِلَى الْعَجْزِ عَنْ الْجِهَادِ وَالْحُقُوقِ الْأُخَرِ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِيهِ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ ( وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَحْوُهُ اِنْتَهَى. ( وَأَبِي مُوسَى ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا , وَعَقَدَ تِسْعِينَ , كَذَا فِي التَّلْخِيصِ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا. قَوْلُهُ : ( وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ صِيَامَ الدَّهْرِ وَقَالُوا إِنَّمَا يَكُونُ صِيَامُ الدَّهْرِ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى مَنْعِ صِيَامِ الدَّهْرِ لِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ , قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِهِ إِذَا لَمْ يَصُمْ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ , وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ سَرْدَ الصِّيَامِ إِذَا أَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُفَوِّتَ حَقًّا فَإِنْ تَضَرَّرَ أَوْ فَوَّتَ حَقًّا فَمَكْرُوهٌ , وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ , فَقَالَ " إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ". وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ , فَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَرْدِ الصِّيَامِ , وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يُقِرَّهُ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصِّيَامَ , وَكَذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ وَعَائِشَةُ وَخَلَائِقُ مِنْ السَّلَفِ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ , بِالْأَجْوِبَةِ. أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ , وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ الرُّخْصَةَ , قَالُوا فَنَهَى اِبْنَ عَمْرٍو لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجِزُ. وَأَقَرَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو ; لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ. وَالثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَى لَا صَامَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ مَشَقَّتِهِ مَا يَجِدُهَا غَيْرُهُ فَيَكُونُ خَبَرًا لَا دُعَاءً اِنْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. قُلْت : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِأَحَادِيثِ جَوَازِ سَرْدِ الصَّوْمِ عَلَى جَوَازِ صِيَامِ الدَّهْرِ عِنْدِي نَظَرٌ.
مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَمَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلَانًا لَا يُفْطِرُ نَهَارَ الدَّهْرِ فَقَالَ لَا أَفْطَرَ وَلَا صَامَ
" مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، فَلَا يَقْضِيَهِ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ "
" مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ " .
لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ
