كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ
مَرَّ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَهُوَ فِي مُرَابَطٍ لَهُ وَقَدْ شَقَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ قَالَ أَلاَ أُحَدِّثُكَ يَا ابْنَ السِّمْطِ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَلَى . قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ وَرُبَّمَا قَالَ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَنُمِّيَ لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قَوْلُهُ : ( مَرَّ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , وَيُقَالُ لَهُ سَلْمَانُ الْخَيْرِ , أَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ , وَقِيلَ مِنْ رَامَهُرْمُزَ , مِنْ أَوَّلِ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ , مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ , يُقَالُ بَلَغَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ , كَذَا فِي التَّقْرِيبِ. وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ وَكَانَ أَدْرَكَ وَصِيَّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا قِيلَ وَعَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ : سَمِعْت جَعْفَرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنَ فَارِسٍ يَقُولُ : سَمِعْت الْعَبَّاسَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ لِمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ : أَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : عَاشَ سَلْمَانُ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ , فَأَمَّا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَلَا يَشُكُّونَ فِيهِ. قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ قَرَأْت بِخَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ : رَجَعْت عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَارَبَ الثَّلَاثَمِائَةِ , أَوْ زَادَ عَلَيْهَا وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ مَا جَاوَزَ الثَّمَانِينَ , وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ اِنْتَهَى ( بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ الْكِنْدِيِّ الشَّامِيِّ , جَزَمَ اِبْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ لَهُ وِفَادَةً ثُمَّ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَفَتْحَ حِمْصٍ وَعَمِلَ عَلَيْهَا لِمُعَاوِيَةَ , كَذَا فِي التَّقْرِيبِ. وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ. قَوْلُهُ : ( وَهُوَ فِي مَرَابِطَ لَهُ ) اِسْمُ ظَرْفٍ مِنْ الرِّبَاطِ قَوْلُهُ : ( وَقَدْ شَقَّ ) أَيْ صَعُبَ الْقِيَامُ فِيهِ قَوْلُهُ : ( رِبَاطُ يَوْمٍ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ( وَرُبَّمَا قَالَ خَيْرٌ ) أَيْ مَكَانَ أَفْضَلَ ( مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ اِبْنُ بَزِيزَةَ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حَدِيثِ سَلْمَانَ : " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ " , وَبَيْنَ حَدِيثِ عُثْمَانَ : " رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ " ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْأَوَّلِ , أَوْ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلَيْنِ اِنْتَهَى. ( وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ ) أَيْ مِمَّا يُفْتَنُ الْمَقْبُورُ بِهِ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَالسُّؤَالِ وَالتَّعْذِيبِ ( وَنُمِّيَ ) ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ , وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ. قَالَ فِي الصُّرَاحِ : نُمُوُّ بِضَمَّتَيْنِ كواليدن يَعْنِي نُمُوُّ كردن وباليدن نَبَاتٌ وَحَيَوَانٌ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَمَا يَنْمُو نُمُوًّا زَادَ كَنَمَا يَنْمِي وَنُمِيًّا وَنَمَاءً اِنْتَهَى ( لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) يَعْنِي أَنَّ ثَوَابَهُ يَجْرِي لَهُ دَائِمًا وَلَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأُمِّنَ مِنْ الْفَتَّانِ". قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ فَصِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُرَابِطِ : وَجَرَيَانُ عَمَلِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَضِيلَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ , لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ , وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ. كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَفِي سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ اِنْقِطَاعٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِيمَا بَعْدُ.
كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ
رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ إِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ أَجْرُ الْمُرَابِطِ حَتَّى يُبْعَثَ وَيُؤْمَنَ الْفَتَّانَ
" رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ " .
" مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ " .
" مَنْ رَابَطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَانَتْ لَهُ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ " .
