💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( كُنْت أَمْشِي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرْث وَهُوَ مُتَّكِئ عَلَى عَسِيب ) فَقَوْله : ( فِي حَرْث ) بِثَاءٍ مُثَلَّثَة وَهُوَ مَوْضِع الزَّرْع , وَهُوَ مُرَاده بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فِي نَخْل ) وَاتَّفَقَتْ نُسَخ صَحِيح مُسْلِم عَلَى أَنَّهُ ( حَرْث ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة , وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوَاضِع , وَرَوَاهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب فِي بَاب ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا ) خَرِبَ : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة جَمْع خَرَاب , قَالَ الْعُلَمَاء : الْأَوَّل أَصْوَب , وَلِلْآخَرِ وَجْه , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَوْضِع فِيهِ الْوَصْفَانِ. وَأَمَّا الْعَسِيب : فَهُوَ جَرِيدَة النَّخْل. وَقَوْله : ( مُتَّكِئ عَلَيْهِ ) أَيْ : مُعْتَمِد. قَوْله : ( سَلُوهُ عَنْ الرُّوح فَقَالُوا : مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ ) هَكَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ ( مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ ) أَيْ : مَا دَعَاكُمْ إِلَى سُؤَاله ؟ أَوْ مَا شَكّكُمْ فِيهِ حَتَّى اِحْتَجْتُمْ إِلَى سُؤَاله , أَوْ مَا دَعَاكُمْ إِلَى سُؤَال تَخْشَوْنَ سُوء عُقْبَاهُ. قَوْله : ( فَأَسْكَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ : سَكَتَ , وَقِيلَ : أَطْرَقَ , وَقِيلَ : أَعْرَضَ عَنْهُ. قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْي قَالَ : يَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي أَكْثَر أَبْوَابه , قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ وَهْم وَصَوَابه مَا سَبَقَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان , ( فَلَمَّا اِنْجَلَى عَنْهُ ) , وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوْضِع , وَفِي مَوْضِع ( فَلَمَّا صَعِدَ الْوَحْي ) , وَقَالَ : هَذَا وَجْه الْكَلَام ; لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ قَبْل ذَلِكَ نُزُول الْوَحْي عَلَيْهِ , قُلْت : وَكُلّ الرِّوَايَات صَحِيحَة , وَمَعْنَى رِوَايَة مُسْلِم أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْوَحْي وَتَمَّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا } هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ ( أُوتِيتُمْ ) عَلَى وَفْق الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَفِي أَكْثَر نُسَخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ( وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا ) قَالَ الْمَازِرِيّ : الْكَلَام فِي الرُّوح وَالنَّفْس مِمَّا يَغْمُض وَيَدِقّ , وَمَعَ هَذَا فَأَكْثَرَ النَّاس فِيهِ الْكَلَام , وَأَلَّفُوا فِيهِ التَّآلِيف , قَالَ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : هُوَ النَّفَس الدَّاخِل وَالْخَارِج , وَقَالَ اِبْن الْبَاقِلَانِيّ : هُوَ مُتَرَدِّد بَيْن هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَشْعَرِيّ وَبَيْن الْحَيَاة , وَقِيلَ : هُوَ جِسْم لَطِيف مُشَارِك لِلْأَجْسَامِ الظَّاهِرَة وَالْأَعْضَاء الظَّاهِرَة , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَعْلَم الرُّوح إِلَّا اللَّه تَعَالَى , لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي } وَقَالَ الْجُمْهُور : هِيَ مَعْلُومَة , وَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال , وَقِيلَ : هِيَ الدَّم , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لَا تُعْلَم , وَلَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمهَا , وَإِنَّمَا أَجَابَ بِمَا فِي الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهمْ أَنَّهُ إِنْ أَجَابَ بِتَفْسِيرِ الرُّوح فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ , وَفِي الرُّوح لُغَتَانِ , التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث. وَاَللَّه أَعْلَم.