💡شرح النووي على مسلم
حَدِيث طَعَام جَابِر فَفِيهِ أَنْوَاع مِنْ فَوَائِد وَجُمَل مِنْ الْقَوَاعِد : مِنْهَا : الدَّلِيل الظَّاهِر وَالْعِلْم الْبَاهِر مِنْ أَعْلَام نُبُوَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَحَادِيث آحَاد بِمِثْلِ هَذَا حَتَّى زَادَ مَجْمُوعهَا عَلَى التَّوَاتُر , وَحَصَلَ الْعِلْم الْقَطْعِيّ بِالْمَعْنَى الَّذِي اِشْتَرَكَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآحَاد , وَهُوَ اِنْخِرَاق الْعَادَة بِمَا أَتَى بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَكْثِير الطَّعَام الْقَلِيل الْكَثْرَة الظَّاهِرَة , وَنَبْع الْمَاء وَتَكْثِيره , وَتَسْبِيح الطَّعَام وَحَنِين الْجِذْع وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوف , وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ الْعُلَمَاء فِي كُتُب دَلَائِل النُّبُوَّة , كَالدَّلَائِلِ لِلْقَفَّالِ الشَّاشِيّ , وَصَاحِبه أَبِي عَبْد اللَّه الْحَلِيمِيّ , وَأَبِي بَكْر الْبَيْهَقِيِّ الْإِمَام الْحَافِظ وَغَيْرهمْ بِمَا هُوَ مَشْهُور , وَأَحْسَنهَا كِتَاب الْبَيْهَقِيِّ , فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَيْنَا بِإِكْرَامِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن مِينَاء ) هُوَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْر وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه مَرَّات. قَوْله : ( رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء وَالْمِيم أَيْ رَأَيْته ضَامِر الْبَطْن مِنْ الْجُوع. قَوْله : ( فَانْكَفَأْت إِلَى اِمْرَأَتِي ) أَيْ اِنْقَلَبْت وَرَجَعْت , وَوَقَعَ فِي نُسَخ ( فَانْكَفَيْت ) وَهُوَ خِلَاف الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة , بَلْ الصَّوَاب ( اِنْكَفَأْت بِالْهَمْزِ ). قَوْله : ( فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا ) وَهُوَ وِعَاء مِنْ جِلْد مَعْرُوف بِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْحهَا , الْكَسْر أَشْهَر وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه. قَوْله : ( وَلَنَا بُهَيْمَة دَاجِن ) هِيَ بِضَمِّ الْبَاء تَصْغِير ( بَهِيمَة ) وَهِيَ الصَّغِيرَة مِنْ أَوْلَاد الضَّأْن , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَتُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى كَالشَّاةِ وَالسَّخْلَة الصَّغِيرَة مِنْ أَوْلَاد الْمَعْز وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الدَّاجِن مَا أَلِف الْبُيُوت. قَوْله : ( فَجِئْته فَسَارَرْته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه ) فِيهِ : جَوَاز الْمُسَارَرَة بِالْحَاجَةِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَة , وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُون الثَّالِث كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُوَرًا فَحَيَّ هَلَا بِكُمْ ) أَمَّا ( السُّور ) فَبِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان الْوَاو غَيْر مَهْمُوز , وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ , وَقِيلَ : الطَّعَام مُطْلَقًا , وَهِيَ لَفْظَة فَارِسِيَّة , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَحَادِيث صَحِيحَة بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَلْفَاظٍ غَيْر الْعَرَبِيَّة , فَيَدُلّ عَلَى جَوَازه. وَأَمَّا ( فَحَيَّ هَلَا ) بِتَنْوِينِ ( هَلَا ) وَقِيلَ : بِلَا تَنْوِين عَلَى وَزْن عَلَا وَيُقَال : ( حَيّ هَلْ ) فَمَعْنَاهُ : عَلَيْك بِكَذَا أَوْ اُدْعُ بِكَذَا , قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَعْجِلْ بِهِ , وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ هَاتِ وَعَجِّلْ بِهِ. قَوْله : ( وَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُم النَّاس ) إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُمْ فَجَاءُوا تَبَعًا لَهُ كَصَاحِبِ الطَّعَام إِذَا دَعَا طَائِفَة يَمْشِي قُدَّامهمْ , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر هَذَا الْحَال لَا يَتَقَدَّمهُمْ , وَلَا يُمَكِّنهُمْ مِنْ وَطْء عَقِبَيْهِ , وَفَعَلَهُ هُنَا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَة. قَوْله : ( حَتَّى جِئْت اِمْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِك وَبِك ) أَيْ ذَمَّتْهُ وَدَعَتْ عَلَيْهِ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : بِك تَلْحَق الْفَضِيحَة , وَبِك يَتَعَلَّق الذَّمّ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : جَرَى هَذَا بِرَأْيِك وَسُوء نَظَرَك وَتَسَبُّبك. قَوْله : ( قَدْ فَعَلْت الَّذِي قُلْت لِي ) مَعْنَاهُ : أَنَّى أَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عِنْدنَا فَهُوَ أَعْلَم بِالْمَصْلَحَةِ. قَوْله : ( ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا , وَبَارَكَ , ثُمَّ قَالَ : اُدْعِي خَابِزَة فَلْتَخْبِزْ مَعَك ) هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ ( اُدْعِي ) وَقَعَتْ فِي بَعْض الْأُصُول , هَكَذَا ( اُدْعِي ) بِعَيْنِ ثُمَّ يَاء وَهُوَ الصَّحِيح الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ خِطَاب لِلْمَرْأَةِ , وَلِهَذَا قَالَ : فَلْتَخْبِزْ مَعَك ) وَفِي بَعْضهَا ( اُدْعُونِي ) بِوَاوٍ وَنُون , وَفِي بَعْضهَا ( اُدْعُنِي ) وَهُمَا أَيْضًا صَحِيحَانِ , وَتَقْدِيره : اُطْلُبُوا وَاطْلُبْ لِي خَابِزَة , وَقَوْله : ( عَمَدَ ) بِفَتْحِ الْمِيم. قَوْله : ( بَصَقَ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول , وَفِي بَعْضهَا ( بَسَقَ ) وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة , وَالْمَشْهُور : بَصَقَ وَبَزَقَ , وَحَكَى جَمَاعَة مِنْ أَهْل اللُّغَة : بَسَقَ , لَكِنَّهَا قَلِيلَة كَمَا ذَكَرْنَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتكُمْ ) أَيْ اِغْرِفِي , وَالْقَدَح : الْمِغْرَفَة , يُقَال : قَدَحْت الْمَرَق أَقْدَحهُ بِفَتْحِ الدَّال غَرَفْته. قَوْله : ( وَهُمْ أَلْف فَأَقْسَمَ بِاَللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتنَا لَتَغِطّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَتنَا لَتُخْبَز كَمَا هُوَ ) قَوْله : ( تَرْكُوه وَانْحَرَفُوا ) أَيْ شَبِعُوا وَانْصَرَفُوا , وَقَوْله : ( تَغِطّ ) بِكَسْرِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الطَّاء , أَيْ تَغْلِي , وَيُسْمَع غَلَيَانهَا , وَقَوْله : ( كَمَا هُوَ ) يَعُود إِلَى الْعَجِين. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث عَلَمَيْنِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة : أَحَدهمَا : تَكْثِير الطَّعَام الْقَلِيل , وَالثَّانِي : عِلْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ هَذَا الطَّعَام الْقَلِيل الَّذِي يَكْفِي فِي الْعَادَة خَمْسَة أَنْفُس أَوْ نَحْوهمْ سَيَكْثُرُ فَيَكْفِي أَلْفًا وَزِيَادَة , فَدَعَا لَهُ أَلْفًا قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ , وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ صَاع شَعِير وَبُهَيْمَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.