💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَقْرَاص الشَّعِير وَأَكْل الْقَوْم وَهُمْ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا حَتَّى شَبِعُوا , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَالْقَصْد مِنْهُ قَوْله " فَأَمَرَ بِالْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمّ سُلَيْمٍ عَكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ " أَيْ خَلَطَتْ مَا حَصَلَ مِنْ السَّمْن بِالْخُبْزِ الْمَفْتُوت : قَالَ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره : مَقْصُود الْبُخَارِيّ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال اِئْتَدَمَ إِلَّا إِذَا أَكَلَ بِمَا اِصْطَبَغَ بِهِ , قَالَ : وَمُنَاسَبَتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَة أَنَّ الْمَعْلُوم أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ الْإِدَامِ مُطْلَقًا بِقَرِينَةِ مَا هُوَ مَعْرُوف مِنْ شَظَفِ عَيْشِهِمْ فَدَخَلَ فِيهِ التَّمْرُ وَغَيْرُهُ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّ التَّمْر لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدهمْ وَهُوَ غَالِب أَقْوَاتهمْ وَكَانُوا شَبَاعَى مِنْهُ عُلِمَ أَنَّ أَكْل الْخُبْز بِهِ لَيْسَ اِئْتِدَامًا , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهُوَ لَفْظ الْمَأْدُوم لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِد شَيْئًا عَلَى شَرْطه , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ تَصَرُّف النَّقَلَة. قُلْت : وَالْأَوَّل مُبَايِنٌ لِمُرَادِ الْبُخَارِيّ , وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَاد , لَكِنْ بِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنِير , وَالثَّالِث بَعِيد جِدًّا. قَالَ اِبْن الْمُنِير , وَأَمَّا قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ فَظَاهِرَةُ الْمُنَاسَبَة ; لِأَنَّ السَّمْن الْيَسِير الَّذِي فَضَلَ فِي قَعْر الْعَكَّة لَا يُصْطَبَغ بِهِ الْأَقْرَاص الَّتِي فَتَّتْهَا , وَإِنَّمَا غَايَته أَنْ يَصِير فِي الْخُبْز مِنْ طَعْم السَّمْن فَأَشْبَهَ مَا إِذَا خَالَطَ التَّمْر عِنْد الْأَكْل , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ شَيْء يُسَمَّى عِنْد الْإِطْلَاق إِدَامًا , فَإِنَّ الْحَالِف أَنْ لَا يَأْتَدِم يَحْنَث إِذَا أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْز , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور سَوَاء كَانَ يُصْطَبَغ بِهِ أَمْ لَا. وَقَالَ , أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف : لَا يَحْنَث إِذَا اِئْتَدَمَ بِالْجُبْنِ , وَالْبَيْض , وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَقَالَ : كُلّ شَيْء يُؤْكَل مَعَ الْخُبْز مِمَّا الْغَالِب عَلَيْهِ ذَلِكَ كَاللَّحْمِ الْمَشْوِيّ وَالْجُبْن أَدْم , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة يَحْنَث بِكُلِّ مَا هُوَ عِنْد الْحَالِف أَدْم وَلِكُلِّ قَوْم عَادَة , وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَثْنَى الْمِلْحَ جَرِيشًا كَانَ أَوْ مُطَيَّبًا. ( تَنْبِيهٌ ) : مِنْ حُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بُرَيْدَةَ " فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَإِدَام مِنْ أَدْم الْبَيْت " الْحَدِيث , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَكَانه , وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة " بَاب الْأَدْم " قَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كُلّ شَيْء فِي الْبَيْت مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِائْتِدَامِ بِهِ يُسَمَّى أَدْمًا مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا. وَكَذَا حَدِيث " تَكُون الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة خُبْزَة وَاحِدَة وَإِدَامهمْ زَائِدَة كَبِد الْحُوت " وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَفِي خُصُوص الْيَمِين الْمَذْكُورَة فِي التَّرْجَمَة حَدِيث يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام " رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَة , وَقَالَ : هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ , قَالَ اِبْن الْقَصَّار : لَا خِلَاف بَيْن أَهْل اللِّسَان أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ اِئْتَدَمَ بِهِ , فَلَوْ قَالَ : أَكَلْت خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ , وَإِنْ قَالَ : أَكَلْت خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ , وَأَمَّا قَوْل الْكُوفِيِّينَ : الْإِدَام اِسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْن الشَّيْئَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنْ يُسْتَهْلَك الْخُبْز فِيهِ بِحَيْثُ يَكُون تَابِعًا لَهُ بِأَنْ تَتَدَاخَل أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ , وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ , فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَام الْأَوَّل مُسَلَّمٌ لَكِنَّ دَعْوَى التَّدَاخُل لَا دَلِيل عَلَيْهِ قَبْل التَّنَاوُلِ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْجَمْع ثُمَّ الِاسْتِهْلَاك بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ.