💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَة. قَوْله : ( لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحُلَّة عِنْد الْعَرَب ثَوْبَانِ , وَلَا تُطْلَق عَلَى ثَوْب وَاحِد. قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ : ( كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل مِنْ إِخْوَانِي كَلَام , وَكَانَتْ أُمّه أَعْجَمِيَّة , فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ , فَلَقِيت النَّبِيّ ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) أَمَّا قَوْله : ( رَجُل مِنْ إِخْوَانِي ) فَمَعْنَاهُ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا , وَإِنَّمَا قَالَ : ( مِنْ إِخْوَانِي ) ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْت يَده ). قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيك جَاهِلِيَّة ) أَيْ هَذَا التَّعْيِير مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة , فَفِيك خُلُق مِنْ أَخْلَاقهمْ , وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُون فِيهِ شَيْء مِنْ أَخْلَاقهمْ , فَفِيهِ النَّهْي عَنْ التَّعْيِير وَتَنْقِيص الْآبَاء وَالْأُمَّهَات , وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة. قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه , مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه , قَالَ : يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) مَعْنَى كَلَام أَبِي ذَرّ : الِاعْتِذَار عَنْ سَبّه أُمّ ذَلِكَ الْإِنْسَان , يَعْنِي أَنَّهُ سَبَّنِي , وَمَنْ سَبَّ إِنْسَانًا سَبَّ ذَلِكَ الْإِنْسَان أَبَا السَّابّ وَأُمّه , فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : هَذَا مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة , وَإِنَّمَا يُبَاح لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَسُبّ السَّابّ نَفْسه بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ , وَلَا يَتَعَرَّض لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُمْ إِخْوَانكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ , وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ , فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) الضَّمِير فِي ( هُمْ إِخْوَانكُمْ ) يَعُود إِلَى الْمَمَالِيك , وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُل السَّيِّد , وَإِلْبَاسهمْ مِمَّا يَلْبَس مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى الْإِيجَاب , وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا فِعْل أَبِي ذَرّ فِي كِسْوَة غُلَامه مِثْل كِسْوَته فَعَمَلٌ بِالْمُسْتَحَبِّ , وَإِنَّمَا يَجِب عَلَى السَّيِّد نَفَقَة الْمَمْلُوك وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْبُلْدَان وَالْأَشْخَاص , سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْس نَفَقَة السَّيِّد وَلِبَاسه , أَوْ دُونه , أَوْ فَوْقه حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّد عَلَى نَفْسه تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَة أَمْثَاله إِمَّا زُهْدًا , وَإِمَّا شُحًّا , لَا يَحِلّ لَهُ التَّقْتِير عَلَى الْمَمْلُوك , وَإِلْزَامه وَمُوَافَقَته إِلَّا بِرِضَاهُ , وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُكَلِّفهُ مِنْ الْعَمَل مَا لَا يُطِيقهُ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِعَانَته بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. قَوْله : ( فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبهُ فَلْيَبِعْهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ ) وَهَذِهِ الثَّانِيَة هِيَ الصَّوَاب الْمُوَافِقَة لِبَاقِي الرِّوَايَات , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل الْمَسْبُوب هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن.