💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَاصِل الْأَحْدَب ) هُوَ اِبْن حَيَّان بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة الثَّقِيلَة , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة مَشْهُور مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , وَالْمَعْرُور ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ كُوفِيّ أَيْضًا يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّة مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ يُقَال عَاشَ مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة. قَوْله : ( رَأَيْت أَبَا ذَرّ ) تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان وَتَسْمِيَة الرَّجُل الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرّ وَالْكَلَام عَلَى الْحُلَّة. قَوْله : ( أَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ إِخْوَانَكُمْ ) كَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِزِيَادَة " إِنَّك اِمْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة , إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ " وَالِاخْتِصَار فِيهِ مِنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ آدَم كَذَلِكَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَة اِخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَل بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْوَاو هُمْ الْخَدَم سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُور أَيْ يُصْلِحُونَهَا , وَمِنْهُ الْخَوْلِيّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَان , وَيُقَال الْخَوَل جَمَعَ خَائِل وَهُوَ الرَّاعِي , وَقِيلَ التَّخْوِيل التَّمْلِيك تَقُول خَوَّلَك اللَّه كَذَا أَيْ مَلَّكَك إِيَّاهُ. وَقَوْله : " عَيَّرْته " أَيْ نَسَبْته إِلَى الْعَار , وَفِي قَوْله : " بِأُمِّهِ " رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْته أُمّه , وَمِثْل الْحَدِيث قَوْل الشَّاعِر : " أَيّهَا الشَّامِت الْمُعَيِّر بِالدَّهْرِ " وَالْعَار الْعَيْب , وَفِي تَقْدِيم لَفْظ إِخْوَانكُمْ عَلَى خَوَلكُمْ إِشَارَة إِلَى الِاهْتِمَام بِالْأُخُوَّةِ وَقَوْله : " تَحْت أَيْدِيكُمْ " مَجَازٌ عَنْ الْقُدْرَة أَوْ الْمِلْك. قَوْله : ( فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ) أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ " مِنْ " , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي بَعْد بَابَيْنِ " فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَة " فَالْمُرَاد الْمُوَاسَاة لَا الْمُسَاوَاة مِنْ كُلّ جِهَة. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرّ فَعَلَ الْمُسَاوَاة وَهُوَ الْأَفْضَل , فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْء عَلَى عِيَاله مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا , وَفِي الْمُوَطَّأ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا " لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ , وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل مَا لَا يُطِيق " وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْف , فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ فَقَالَ : " كَانُوا يَوْمَئِذٍ لَيْسَ لَهُمْ هَذَا الْقُوت " وَاسْتَحْسَنَهُ فَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع حَمْل الْأَمْر عَلَى عُمُومه فِي حَقّ كُلّ أَحَد بِحَسَبِهِ. قَوْله : ( وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ) أَيْ عَمَل مَا تَصِيرُ قُدْرَتُهُمْ فِيهِ مَغْلُوبَة , أَيْ بمَا يَعْجَزُونَ عَنْهُ لِعِظَمِهِ أَوْ صُعُوبَته , وَالتَّكْلِيف تَحْمِيل النَّفْس شَيْئًا مَعَهُ كُلْفَة , وَقِيلَ هُوَ الْأَمْر بِمَا يَشُقُّ. قَوْله : ( فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ ) أَيْ مَا يَغْلِبُهُمْ , وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالْمُرَاد أَنْ يُكَلَّفَ الْعَبْد جِنْس مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ , فَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُهُ وَحْده وَإِلَّا فَلْيُعِنْهُ بِغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ سَبّ الرَّقِيق وَتَعْيِيرهمْ بِمَنْ وَلَدَهُمْ , وَالْحَثّ عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَالرِّفْق بِهِمْ , وَيَلْتَحِق بِالرَّقِيقِ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَغَيْره. وَفِيهِ عَدَمُ التَّرَفُّع عَلَى الْمُسْلِم وَالِاحْتِقَار لَهُ. وَفِيهِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَإِطْلَاق الْأَخ عَلَى الرَّقِيق , فَإِنْ أُرِيدَ الْقَرَابَة فَهُوَ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز لِنِسْبَةِ الْكُلّ إِلَى آدَم , أَوْ الْمُرَاد أُخُوَّة الْإِسْلَام وَيَكُون الْعَبْد الْكَافِر بِطَرِيقِ التَّبَع , أَوْ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْمُؤْمِنِ.