💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَسْأَل عَنْ الْمُهَلّ , فَقَالَ : سَمِعْته ثُمَّ اِنْتَهَى فَقَالَ : أَرَاهُ يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعْنَى هَذَا الْكَلَام : أَنَّ أَبَا الزُّبَيْر قَالَ سَمِعْت جَابِرًا , ثُمَّ اِنْتَهَى , أَيْ : وَقَفَ عَنْ رَفْع الْحَدِيث إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ : ( أُرَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ : أَظُنّهُ رَفَعَ الْحَدِيث , فَقَالَ : ( أُرَاهُ ) يَعْنِي : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( أَحْسَبهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَقَوْله : أَحْسَبهُ رَفَعَ , لَا يُحْتَجّ بِهَذَا الْحَدِيث مَرْفُوعًا ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَجْزِم بِرَفْعِهِ. قَوْله فِي حَدِيث جَابِر : ( وَمُهَلّ أَهْل الْعِرَاق مِنْ ذَات عِرْق ) هَذَا صَرِيح فِي كَوْنه مِيقَات أَهْل الْعِرَاق , لَكِنْ لَيْسَ رَفْع الْحَدِيث ثَابِتًا كَمَا سَبَقَ , وَقَدْ سَبَقَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ ذَات عِرْق مِيقَات أَهْل الْعِرَاق , وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ , قَالَ الشَّافِعِيّ : وَلَوْ أَهَلُّوا مِنْ الْعَقِيق كَانَ أَفْضَل , وَالْعَقِيق أَبْعَد مِنْ ذَات عِرْق بِقَلِيلٍ , فَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيّ ; لِأَثَرٍ فِيهِ ; وَلِأَنَّهُ قِيلَ : إِنَّ ذَات عِرْق كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعه , ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْحَجِّ مِيقَات مَكَان , وَهُوَ مَا سَبَقَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَمِيقَات زَمَان : وَهُوَ شَوَّال وَذُو الْقَعْدَة وَعَشْر لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّة , وَلَا يَجُوز الْإِحْرَام بِالْحَجِّ فِي غَيْر هَذَا الزَّمَان. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ , وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْر هَذَا الزَّمَان لَمْ يَنْعَقِد حَجًّا , وَانْعَقَدَ عُمْرَة , وَأَمَّا الْعُمْرَة فَيَجُوز الْإِحْرَام بِهَا وَفِعْلهَا فِي جَمِيع السَّنَة , وَلَا يُكْرَه فِي شَيْء مِنْهَا , لَكِنْ شَرْطهَا أَلَّا يَكُون فِي الْحَجّ وَلَا مُقِيمًا عَلَى شَيْء مِنْ أَفْعَاله , وَلَا يُكْرَه تَكْرَار الْعُمْرَة فِي السَّنَة , بَلْ يُسْتَحَبّ عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور , وَكَرِهَ تَكْرَارهَا فِي السَّنَة اِبْن سِيرِينَ وَمَالِك , وَيَجُوز الْإِحْرَام بِالْحَجِّ مِمَّا فَوْق الْمِيقَات أَبْعَد مِنْ مَكَّة سَوَاء دُوَيْرَة أَهْله وَغَيْرهَا , وَأَيّهمَا أَفْضَل ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا : مِنْ الْمِيقَات أَفْضَل ; لِلِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّه أَعْلَم.