💡 شرح فتح الباري
حَدِيث الْبَرَاء " أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ , وَنَهَانَا عَنْ سَبْع : أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيض , وَاتِّبَاع الْجَنَائِز , وَتَشْمِيت الْعَاطِس " الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مُعْظَمه فِي كِتَاب اللِّبَاس. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَرَاء التَّفْصِيل الَّذِي فِي التَّرْجَمَة , وَإِنَّمَا ظَاهِره أَنَّ كُلّ عَاطِس يُشَمَّت عَلَى التَّعْمِيم , قَالَ : وَإِنَّمَا التَّفْصِيل فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرهُ بِلَفْظِهِ فِي هَذَا الْبَاب وَيَذْكُر بَعْده حَدِيث الْبَرَاء لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ حَدِيث الْبَرَاء وَإِنْ كَانَ ظَاهِره الْعُمُوم لَكِنْ الْمُرَاد بِهِ الْخُصُوص بِبَعْضِ الْعَاطِسِينَ وَهُمْ الْحَامِدُونَ , قَالَ : وَهَذَا مِنْ الْأَبْوَاب الَّتِي أَعْجَلَتْهُ الْمَنِيَّة عَنْ تَهْذِيبهَا , كَذَا قَالَ. وَالْوَاقِع أَنَّ هَذَا الصَّنِيع لَا يَخْتَصَّن بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بَلْ قَدْ أَكْمَلَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح , فَطَالَمَا تَرْجَمَ بِالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيص كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ إِطْلَاق أَوْ تَعْمِيم , وَيَكْتَفِي مِنْ دَلِيل التَّقْيِيد وَالتَّخْصِيص بِالْإِشَارَةِ إِمَّا لِمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ أَوْ فِي حَدِيث آخِر كَمَا صَنَعَ فِي هَذَا الْبَاب , فَإِنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة " إِلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثه مِنْ تَقْيِيد الْأَمْر بِتَشْمِيتِ الْعَاطِس , بِمَا إِذَا حَمِدَ , وَهَذَا أَدَقُّ التَّصَرُّفَيْنِ , وَدَلَّ إِكْثَاره مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عَمْد مِنْهُ لَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْل تَهْذِيبه , بَلْ عَدَّ الْعُلَمَاء ذَلِكَ مِنْ دَقِيق فَهْمه وَحُسْنِ تَصَرُّفه , فِي إِيثَار الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلذِّهْنِ وَبَعْثًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَتَبُّع طُرُق الْحَدِيث , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِد. وَقَدْ خُصَّ مِنْ عُمُوم الْأَمْر بِتَشْمِيتِ الْعَاطِس جَمَاعَة : الْأَوَّل مَنْ لَمْ يَحْمَد كَمَا تَقَدَّمَ , وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَد. الثَّانِي الْكَافِر فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ " كَانَتْ الْيَهُود يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاء أَنْ يَقُول يَرْحَمكُمْ اللَّه فَكَانَ يَقُول يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ " قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ أَهْل اللُّغَة إِنَّ التَّشْمِيت الدُّعَاء بِالْخَيْرِ دَخَلَ الْكُفَّار فِي عُمُوم الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ , وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَنْ خَصَّ التَّشْمِيت بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَدْخُلُوا. قَالَ : وَلَعَلَّ مَنْ خَصَّ التَّشْمِيت بِالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ بَنَاهُ عَلَى الْغَالِب لِأَنَّهُ تَقْيِيد لِوَضْعِ اللَّفْظ فِي اللُّغَة. قُلْت : وَهَذَا الْبَحْث أَنْشَأَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَة , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْع فَحَدِيث أَبِي مُوسَى دَالّ عَلَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي مُطْلَق الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ , لَكِنْ لَهُمْ تَشْمِيت مَخْصُوص وَهُوَ الدُّعَاء لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَإِصْلَاح الْبَال وَهُوَ الشَّأْن وَلَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ , بِخِلَافِ تَشْمِيت الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ أَهْل الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الْكُفَّار. الثَّالِث الْمَزْكُوم إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْعُطَاس فَزَادَ عَلَى الثَّلَاث فَإِنَّ ظَاهِر الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ يَشْمَل مَنْ عَطَسَ وَاحِدَة أَوْ أَكْثَر لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي " الْأَدَب الْمُفْرَد " مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " يُشَمِّتهُ وَاحِدَة وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا , وَمَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ زُكَام " هَكَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ كَذَلِكَ وَلَفْظه " شَمِّتْ أَخَاك " وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ وَقَالَ فِيهِ " لَا أَعْلَمهُ إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَفَعَهُ مُوسَى بْن قَيْس عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ أَيْضًا. وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : " إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ , ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ , ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ إِنَّك مَضْنُوك " قَالَ اِبْنِ أَبِي بَكْر : لَا أَدْرِي بَعْد الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة , وَهَذَا مُرْسَل جَيِّد , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ " فَشَمِّتْهُ ثَلَاثًا , فَمَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ زُكَام " وَأَخْرَجَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْعَاصِ " شَمِّتُوهُ ثَلَاثًا , فَإِنْ زَادَ فَهُوَ دَاء يَخْرُج مِنْ رَأْسه " مَوْقُوف أَيْضًا , وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَشَمَّتَهُ ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَة أَنْتَ مَضْنُوك , مَوْقُوف أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُمَر مِثْله لَكِنْ قَالَ " فِي الثَّالِثَة " , وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبِ " شَمِّتْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ ثَلَاث , فَإِنْ زَادَ فَهُوَ رِيح " وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ يُشَمَّت الْعَاطِس إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الْعُطَاس ثَلَاثًا , قَالَ النَّوَوِيّ فِي " الْأَذْكَار " إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاس مُتَتَابِعًا فَالسُّنَّة أَنْ يُشَمِّتهُ لِكُلِّ مَرَّة إِلَى أَنْ يَبْلُغ ثَلَاث مَرَّات , رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيح مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع أَنَّهُ " سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَطَسَ عِنْدَهُ رَجُل فَقَالَ لَهُ يَرْحَمك اللَّه , ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُل مَزْكُوم " هَذَا لَفْظ رِوَايَة مُسْلِم , وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فَقَالَا قَالَ سَلَمَة " عَطَسَ رَجُل عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا شَاهِد فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمك اللَّه , ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة فَقَالَ رَسُول اللَّه : يَرْحَمك اللَّه , هَذَا رَجُل مَزْكُوم " ا ه كَلَامه وَنُقِلَتْ مِنْ نُسْخَة عَلَيْهَا خَطّه بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ , وَاَلَّذِي نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ إِعَادَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَاطِسِ يَرْحَمك اللَّه لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَة وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَأَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَابْن السُّنِّيّ وَأَبُو نُعَيْم أَيْضًا فِي " عَمَلُ الْيَوْم وَاللَّيْلَة " وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الشُّعَب " كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ إِيَاس بْن سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِم وَأَلْفَاظهمْ مُتَفَاوِتَة , وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِعَادَة يَرْحَمك اللَّه فِي الْحَدِيث , وَكَذَلِكَ مَا نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَنَّ عِنْدَهُمَا " ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة " فِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ لَفْظ أَبِي دَاوُدَ " أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ " وَالْبَاقِي مِثْل سِيَاق مُسْلِم سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أُخْرَى , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ مِثْل مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ إِلَى قَوْله " ثُمَّ عَطَسَ " فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْده مِثْل أَبِي دَاوُدَ سَوَاء , وَهَذِهِ رِوَايَة اِبْنِ الْمُبَارَك عِنْدَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ فَأَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة اِبْنِ الْمُبَارَك فَقَالَ نَحْوه إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّانِيَة أَنْتَ مَزْكُوم. وَفِي رِوَايَة شُعْبَة قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانِ. وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ " قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَنْتَ مَزْكُوم " وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة رَوَوْهُ عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار وَأَكْثَر الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّض لِلثَّالِثَةِ , وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيّ مَنْ قَالَ " فِي الثَّالِثَة " عَلَى رِوَايَة مَنْ قَالَ " فِي الثَّانِيَة " وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ يُوَافِق مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفه وَابْنِ عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيقه قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّان حَدَّثَنَا عِكْرِمَة فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ " عَطَسَ رَجُل عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَهُ , ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ , ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة : أَنْتَ مَزْكُوم " هَكَذَا رَأَيْت فِيهِ " ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ " وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَام أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَلَفْظه " ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُل مَزْكُوم " وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد فِي لَفْظ هَذَا الْحَدِيث لَكِنْ الْأَكْثَر عَلَى تَرْك ذِكْر التَّشْمِيت بَعْد الْأُولَى , وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ عِكْرِمَة بِلَفْظٍ آخَر قَالَ " يُشَمَّت الْعَاطِس ثَلَاثًا ; فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُوم " وَجَعَلَ الْحَدِيث كُلّه مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفَادَ تَكْرِير التَّشْمِيت , وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة لِمُخَالَفَةِ جَمِيع أَصْحَاب عِكْرِمَة فِي سِيَاقه , وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ عِكْرِمَة الْمَذْكُور لَمَّا حَدَّثَ بِهِ وَكِيعًا فَإِنَّ فِي حِفْظه مَقَالًا , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة تَشْمِيت الْعَاطِس مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاث إِذَا حَمِدَ اللَّه سَوَاء تَتَابَعَ عُطَاسه أَمْ لَا , فَلَوْ تَتَابَعَ وَلَمْ يَحْمَد لِغَلَبَةِ الْعُطَاس عَلَيْهِ ثُمَّ كَرَّرَ الْحَمْد بِعَدَدِ الْعُطَاس فَهَلْ يُشَمَّت بِعَدَدِ الْحَمْد ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَظَاهِر الْخَبَر نَعَمْ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْن السُّنِّيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة النَّهْي عَنْ التَّشْمِيت بَعْد ثَلَاث , وَلَفْظه " إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسه , فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاث فَهُوَ مَزْكُوم , وَلَا يُشَمِّتهُ بَعْد ثَلَاث " قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ رَجُل لَمْ أَتَحَقَّقْ حَاله , وَبَاقِي إِسْنَاده صَحِيح , قُلْت : الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ سُلَيْمَان بْن أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ , وَالْحَدِيث عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ , وَمُحَمَّد مُوَثَّق وَأَبُوهُ يُقَال لَهُ الْحَرَّانِيُّ ضَعِيف , قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُون. قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عُبَيْد بْن رِفَاعَة الصَّحَابِيّ قَالَ " قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُشَمَّت الْعَاطِس ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ فَإِنْ شِئْت فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْت فَلَا " فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الْحَدِيث غَرِيب , وَإِسْنَاده مَجْهُول. قُلْت : إِطْلَاقه عَلَيْهِ الضَّعْف لَيْسَ بِجَيِّدٍ , إِذَا لَا يَلْزَم مِنْ الْغَرَابَة الضَّعْف , وَأَمَّا وَصْف التِّرْمِذِيّ إِسْنَاده بِكَوْنِهِ مَجْهُولًا فَلَمْ يُرِدْ جَمِيع رِجَال الْإِسْنَاد فَإِنَّ مُعْظَمهمْ مُوَثَّقُونَ , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَته تَغْيِير اِسْم بَعْض رُوَاته وَإِبْهَام اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَخْرَجَاهُ مَعًا مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , ثُمَّ اِخْتَلَفَا : فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فَفِيهَا عَنْ يَحْيَى بْن إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أُمِّهِ حَمِيدَة - أَوْ عُبَيْدَة - بِنْتِ عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَنْ أَبِيهَا , وَهَذَا إِسْنَاد حَسَن , وَالْحَدِيث مَعَ ذَلِكَ مُرْسَل كَمَا سَأُبَيِّنُ وَعَبْد السَّلَام بْن حَرْب مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَيَزِيد هُوَ أَبُو خَالِد الدَّالَانِيُّ وَهُوَ صَدُوق فِي حِفْظه شَيْء , وَيَحْيَى بْن إِسْحَاق وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَأُمّه حَمِيدَة رَوَى عَنْهَا أَيْضًا زَوْجهَا إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة , وَذَكَرَهَا اِبْن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ , وَأَبُوهَا عُبَيْد بْن رِفَاعَة ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ رُؤْيَة , قَالَهُ اِبْن السَّكَن , قَالَ : وَلَمْ يَصِحّ سَمَاعه. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : رِوَايَته مُرْسَلَة وَحَدِيثه عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرهمَا , وَأَمَّا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فَفِيهَا عَنْ عُمَر بْن إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهَا كَذَا سَمَّاهُ عُمَر وَلَمْ يُسَمِّ أُمّه وَلَا أَبَاهَا , وَكَأَنَّهُ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَر فِيهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ إِسْنَاد مَجْهُول وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ , وَأَنَّ الصَّوَاب يَحْيَى بْن إِسْحَاق لَا عُمَر , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَابْن السُّنِّيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب فَقَالُوا يَحْيَى بْن إِسْحَاق , وَقَالُوا : حَمِيدَة بِغَيْرِ شَكٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ هَذَا الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَجْهُول لَكِنْ يُسْتَحَبّ الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ دُعَاء بِخَيْرٍ وَصِلَة وَتَوَدُّد لِلْجَلِيسِ , فَالْأَوْلَى الْعَمَل بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : دَلَّ حَدِيث عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَلَى أَنَّهُ يُشَمَّت ثَلَاثًا وَيُقَال أَنْتَ مَزْكُوم بَعْد ذَلِكَ , وَهِيَ زِيَادَة يَجِب قَبُولهَا فَالْعَمَل بِهَا أَوْلَى. ثُمَّ حَكَى النَّوَوِيّ عَنْ اِبْنِ الْعَرَبِيّ أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا هَلْ يَقُول لِمَنْ تَتَابَعَ عُطَاسه أَنْتَ مَزْكُوم فِي الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة ؟ عَلَى أَقْوَال , وَالصَّحِيح فِي الثَّالِثَة قَالَ : وَمَعْنَاهُ إِنَّك لَسْت مِمَّنْ يُشَمَّت بَعْدهَا لِأَنَّ الَّذِي بِك مَرَض وَلَيْسَ مِنْ الْعُطَاس الْمَحْمُود النَّاشِئ عَنْ خِفَّة الْبَدَنِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , قَالَ : فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ مَرَضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُشَمَّت بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَحْوَج إِلَى الدُّعَاء مِنْ غَيْره , قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ يُدْعَى لَهُ بِدُعَاءٍ يُلَائِمهُ لَا بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوع لِلْعَاطِسِ بَلْ مِنْ جِنْس دُعَاء الْمُسْلِم لِلْمُسْلِمِ بِالْعَافِيَةِ , وَذَكَرَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ قَالَ : يُكَرَّر التَّشْمِيت إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاس إِلَّا أَنْ يُعْرَف أَنَّهُ مَزْكُوم فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ , قَالَ : وَتَقْرِيره أَنَّ الْعُمُوم يَقْتَضِي التَّكْرَار إِلَّا فِي مَوْضِع الْعِلَّة وَهُوَ الزُّكَام , قَالَ وَعِنْدَ هَذَا يَسْقُط الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ عِنْدَ الْعِلْم بِالزُّكَامِ لِأَنَّ التَّعْلِيل بِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشَمَّت مَنْ عُلِمَ أَنَّ بِهِ زُكَامًا أَصْلًا , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْمَذْكُور هُوَ الْعِلَّة دُون التَّعْلِيل وَلَيْسَ الْمُعَلَّل هُوَ مُطْلَق التَّرْك لِيَعُمّ الْحُكْم عَلَيْهِ بِعُمُومِ عِلَّته , بَلْ الْمُعَلَّل هُوَ التَّرْك بَعْد التَّكْرِير , فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا يَلْزَم تَكَرُّر التَّشْمِيت لِأَنَّهُ مَزْكُوم , قَالَ وَيَتَأَيَّد بِمُنَاسَبَةِ الْمَشَقَّة النَّاشِئَة عَنْ التَّكْرَار. الرَّابِع مِمَّنْ يُخَصّ مِنْ عُمُوم الْعَاطِسِينَ مَنْ يَكْرَه التَّشْمِيت , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ذَهَبَ بَعْض أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَكْرَه التَّشْمِيت أَنَّهُ لَا يُشَمَّت إِجْلَالًا لِلتَّشْمِيتِ أَنْ يُؤَهَّل لَهُ مَنْ يَكْرَههُ فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَتْرُك السُّنَّة لِذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هِيَ سُنَّة لِمَنْ أَحَبَّهَا , فَأَمَّا مَنْ كَرِهَهَا وَرَغِبَ عَنْهَا فَلَا. قَالَ : وَيَطَّرِد ذَلِكَ فِي السَّلَام وَالْعِيَادَة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا , فَأَمَّا غَيْره فَيُشَمَّت اِمْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَمُنَاقَضَة لِلْمُتَكَبِّرِ فِي مُرَاده وَكَسْرًا لِسَوْرَتِهِ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِجْلَال التَّشْمِيت. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ لَفْظ التَّشْمِيت دُعَاء بِالرَّحْمَةِ فَهُوَ يُنَاسِب الْمُسْلِم كَائِنًا مَنْ كَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِس قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ عَطَسَ وَالْإِمَام يَخْطُب , فَإِنَّهُ يَتَعَارَض الْأَمْر بِتَشْمِيتِ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِس وَالْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ لِمَنْ سَمِعَ الْخَطِيب , وَالرَّاجِح الْإِنْصَات لِإِمْكَانِ تَدَارُك التَّشْمِيت بَعْد فَرَاغِ الْخَطِيب وَلَا سِيَّمَا إِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَام وَالْإِمَام يَخْطُب , وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَتَعَيَّن تَأْخِير التَّشْمِيت حَتَّى يَفْرُغ الْخَطِيب أَوْ يُشْرَع لَهُ التَّشْمِيت بِالْإِشَارَةِ ؟ فَلَوْ كَانَ الْعَاطِس الْخَطِيب فَحَمِدَ وَاسْتَمَرَّ فِي خُطْبَته فَالْحُكْم كَذَلِكَ وَإِنْ حَمِدَ فَوَقَفَ قَلِيلًا لِيُشَمَّت فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُشْرَع تَشْمِيته. السَّادِس مِمَّنْ يُمْكِن أَنْ يُسْتَثْنَى مَنْ كَانَ عِنْدَ عُطَاسه فِي حَالَة يَمْتَنِع عَلَيْهِ فِيهَا ذِكْر اللَّه , كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْخَلَاء أَوْ فِي الْجَمَاعَة فَيُؤَخِّر ثُمَّ يَحْمَد اللَّه فَيُشَمَّت , فَلَوْ خَالَفَ فَحَمِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَة هَلْ يَسْتَحِقّ التَّشْمِيت ؟ فِيهِ نَظَرٌ.