💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) هُوَ الثَّوْرِيّ وَسُلَيْمَان هُوَ التَّيْمِيُّ. قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ سَمِعْت أَنَسًا. قَوْله : ( عَطَسَ ) بِفَتْحِ الطَّاء فِي الْمَاضِي وَبِكَسْرِهَا وَضَمّهَا فِي الْمُضَارِع. قَوْله : ( رَجُلَانِ ) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي " الْأَدَب الْمُفْرَد " وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان أَحَدهمَا أَشْرَف مِنْ الْآخَر وَأَنَّ الشَّرِيف لَمْ يَحْمَد , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَنَّهُمَا عَامِر بْن الطُّفَيْل وَابْن أَخِيهِ. قَوْله : ( فَشَمَّتَ ) بِالْمُعْجَمَةِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ " فَشَمَّتَ أَوْ سَمَّتَ " بِالشَّكِّ فِي الْمُعْجَمَة أَوْ الْمُهْمَلَة وَهُوَ مِنْ التَّشْمِيت , قَالَ الْخَلِيل وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمَا : يُقَال بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ كُلّ دَاعٍ بِالْخَيْرِ مُشَمِّت بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ , وَالْعَرَب تَجْعَل الشِّين وَالسِّين فِي اللَّفْظ الْوَاحِد بِمَعْنًى ا ه. وَهَذَا لَيْسَ مُطَّرِدًا بَلْ هُوَ فِي مَوَاضِع مَعْدُودَة وَقَدْ جَمَعَهَا شَيْخنَا شَمْس الدِّين الشِّيرَازِيّ صَاحِب الْقَامُوس فِي جُزْء لَطِيف. قَالَ أَبُو عُبَيْد : التَّشْمِيت بِالْمُعْجَمَةِ أَعْلَى وَأَكْثَر , وَقَالَ عِيَاض : هُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة وَفِي الرِّوَايَة. وَقَالَ ثَعْلَب : الِاخْتِيَار بِالْمُهْمَلَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ السَّمْت وَهُوَ الْقَصْد وَالطَّرِيق الْقَوِيم. وَأَشَارَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي " شَرْح الْإِلْمَام " إِلَى تَرْجِيحه , وَقَالَ الْقَزَّاز : التَّشْمِيت التَّبْرِيك وَالْعَرَب تَقُول شَمَّتَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ , وَشَمَّتَ عَلَيْهِ إِذَا بَرَّكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيث فِي قِصَّة تَزْوِيج عَلِيّ بِفَاطِمَة " شَمَّتَ عَلَيْهِمَا " إِذَا دَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك قَالَ : التَّسْمِيت بِالْمُهْمَلَةِ أَفْصَح وَهُوَ مِنْ سَمَتْ الْإِبِلُ فِي الْمَرْعَى إِذَا جُمِعَتْ , فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا جَمَعَ اللَّه شَمْلك. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ سَمْت الْإِبِل إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْر وَاحِد أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَيَكُون مَعْنَى سَمَّتَهُ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَجْمَع شَمْله , وَقِيلَ هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ الشَّمَاتَة وَهُوَ فَرَح الشَّخْص بِمَا يَسُوء عَدُوّهُ فَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ يَكُون فِي حَال مَنْ يَشْمَت بِهِ , أَوْ أَنَّهُ إِذَا حَمِدَ اللَّه أَدْخَلَ عَلَى الشَّيْطَان مَا يَسُوءهُ فَشَمِتَ هُوَ بِالشَّيْطَانِ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ الشَّوَامِت جَمْع شَامِتَة وَهِيَ الْقَائِمَة , يُقَال لَا تَرَكَ اللَّه لَهُ شَامِتَة أَيْ قَائِمَة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي " شَرْح التِّرْمِذِيّ " تَكَلَّمَ أَهْل اللُّغَة عَلَى اِشْتِقَاق اللَّفْظَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ بَدِيع , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاطِس يَنْحَلّ كُلّ عُضْو فِي رَأْسه وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ الْعُنُق وَنَحْوه , فَكَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ رَحِمَك اللَّه كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّه رَحْمَة يَرْجِع بِهَا بِذَلِكَ إِلَى حَاله قَبْل الْعُطَاس وَيُقِيم عَلَى حَاله مِنْ غَيْر تَغْيِير , فَإِنْ كَانَ التَّسْمِيت بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ رَجَعَ كُلّ عُضْو إِلَى سَمْته الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ صَانَ اللَّه شَوَامِته أَيْ قَوَائِمه الَّتِي بِهَا قِوَام بَدَنه عَنْ خُرُوجهَا عَنْ الِاعْتِدَال , قَالَ : وَشَوَامِت كُلّ شَيْء قِوَامه ; فَقِوَام الدَّابَّة بِسَلَامَةِ قَوَائِمهَا الَّتِي يُنْتَفَع بِهَا إِذَا سَلِمَتْ , وَقِوَام الْآدَمِيّ بِسَلَامَةِ قَوَائِمه الَّتِي بِهَا قِوَامه وَهِيَ رَأْسه وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ عُنُق وَصَدْر ا ه. مُلَخَّصًا. قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَاطِس الَّذِي لَمْ يَحْمَد , وَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُشَار إِلَيْهِ بِلَفْظِ " فَسَأَلَهُ الشَّرِيف " وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ بِلَفْظِ " فَقَالَ الرَّجُل : يَا رَسُول اللَّه شَمَّتَ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتنِي " وَهَذَا قَدْ يُعَكِّر عَلَى مَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَنَّ الشَّرِيف الْمَذْكُور هُوَ عَامِر بْن الطُّفَيْل فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَمَاتَ عَلَى كُفْره , فَيَبْعُد أَنْ يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ يَا رَسُول اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَهَا غَيْر مُعْتَقِد بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يُخَاطِبهُ الْمُسْلِمُونَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْقِصَّة لِعَامِرِ بْن الطُّفَيْل الْمَذْكُور , فَفِي الصَّحَابَة عَامِر بْن الطُّفَيْل الْأَسْلَمِيِّ لَهُ ذِكْر فِي الصَّحَابَة وَحَدِيث رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ " حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِر بْن الطُّفَيْل " , وَفِي الصَّحَابَة أَيْضًا عَامِر بْن الطُّفَيْل الْأَزْدِيُّ ذَكَرَهُ وَثِيمَة فِي " كِتَاب الرِّدَّة " وَوَرَدَ لَهُ مَرْثِيَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سِيَاق حَدِيث سَهْل بْن سَعْد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَامِر الْمَشْهُور اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَد هَذَيْنِ. ثُمَّ رَاجَعْت " مُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ " فَوَجَدْت فِي سِيَاق حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الدَّلَالَة الظَّاهِرَة عَلَى أَنَّهُ عَامِر بْن الطُّفَيْل بْن مَالِك بْن جَعْفَر بْن كِلَاب الْفَارِس الْمَشْهُور , وَكَانَ قَدِمَ الْمَدِينَة وَجَرَى بَيْنَه وَبَيْنَ ثَابِت بْن قَيْس بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَام " ثُمَّ عَطَسَ اِبْن أَخِيهِ فَحَمِدَ فَشَمَّتَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَطَسَ عَامِر فَلَمْ يَحْمَد فَلَمْ يُشَمِّتهُ , فَسَأَلَهُ " الْحَدِيث , وَفِيهِ قِصَّة غَزْوَة بِئْر مَعُونَة وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِيهَا , وَمَاتَ عَامِر بْن الطُّفَيْل بَعْد ذَلِكَ كَافِرًا فِي قِصَّة لَهُ مَشْهُورَة فِي مَوْته ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره. قَوْله : ( هَذَا حَمِدَ اللَّه وَهَذَا لَمْ يَحْمَد ) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " إِنَّ هَذَا ذَكَرَ اللَّه فَذَكَرْته , وَأَنْتَ نَسِيت اللَّه فَنَسِيتُك " وَقَدْ يُقَدَّم أَنَّ النِّسْيَان يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ التَّرْك. قَالَ الْحَلِيمِيّ : الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة الْحَمْد لِلْعَاطِسِ أَنَّ الْعُطَاس يَدْفَع الْأَذَى مِنْ الدِّمَاغ الَّذِي فِيهِ قُوَّة الْفِكْر , وَمِنْهُ مَنْشَأ الْأَعْصَاب الَّتِي هِيَ مَعْدِن الْحِسّ وَبِسَلَامَتِهِ تَسْلَم الْأَعْضَاء , فَيَظْهَر بِهَذَا أَنَّهَا نِعْمَة جَلِيلَة فَنَاسَبَ أَنْ تُقَابَل بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ بِالْخَلْقِ وَالْقُدْرَة وَإِضَافَة الْخَلْق إِلَيْهِ لَا إِلَى الطَّبَائِع ا ه. وَهَذَا بَعْض مَا اِدَّعَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ اِنْفَرَدَ بِهِ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّشْمِيت إِنَّمَا يُشْرَع لِمَنْ حَمِدَ اللَّه , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَفِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَنْ عِلَّة الْحُكْم وَبَيَانهَا لِلسَّائِلِ وَلَا سِيَّمَا إِذْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَة , وَفِيهِ أَنَّ الْعَاطِس إِذَا لَمْ يَحْمَد اللَّه لَا يُلَقَّن الْحَمْد لِيَحْمَد فَيُشَمَّت , كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ وَفِيهِ نَظَر , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد ثَالِث بَاب. وَمِنْ آدَاب الْعَاطِس أَنْ يَخْفِض بِالْعَطْسِ صَوْته وَيَرْفَعهُ بِالْحَمْدِ , وَأَنْ يُغَطِّي وَجْهه لِئَلَّا يَبْدُو مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفه مَا يُؤْذِي جَلِيسه , وَلَا يَلْوِي عُنُقه يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِئَلَّا يَتَضَرَّر بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْحِكْمَة فِي خَفْض الصَّوْت بِالْعُطَاسِ أَنَّ فِي رَفْعه إِزْعَاجًا لِلْأَعْضَاءِ , وَفِي تَغْطِيَة الْوَجْه أَنَّهُ لَوْ بَدَرَ مِنْهُ شَيْء آذَى جَلِيسه , وَلَوْ لَوَى عُنُقه صِيَانَة لِجَلِيسِهِ لَمْ يَأْمَن مِنْ الِالْتِوَاء , وَقَدْ شَاهَدْنَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَده عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ صَوْته " وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَمِنْ فَوَائِد التَّشْمِيت تَحْصِيل الْمَوَدَّة وَالتَّأْلِيف بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , وَتَأْدِيب الْعَاطِس بِكَسْرِ النَّفْس عَنْ الْكِبْر , وَالْحَمْل عَلَى التَّوَاضُع , لِمَا فِي ذِكْر الرَّحْمَة مِنْ الْإِشْعَار بِالذَّنْبِ الَّذِي لَا يَعْرَى عَنْهُ أَكْثَر الْمُكَلَّفِينَ.