💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( عَنْ مَيْسَرَة ) هُوَ اِبْن عَمَّار الْأَشْجَعِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي بَدْء الْخَلْق , وَأَبُو حَازِم هُوَ الْأَشْجَعِيّ سَلْمَان مَوْلَى عَزَّة بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي ثَقِيلَة. قَوْله ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَا يُؤْذِي جَاره , وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) الْحَدِيث , هُمَا حَدِيثَانِ يَأْتِي شَرْح الْأَوَّل مِنْهُمَا فِي كِتَاب الْأَدَب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُر الْحَدِيث الْأَوَّل , وَذَكَرَ بَدَله " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , فَإِذَا شَهِدَ اِمْرُؤٌ فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُت ". وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا أَحَادِيث كَانَتْ عِنْد حُسَيْن الْجُعْفِيِّ عَنْ زَائِدَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فَرُبَّمَا جَمَعَ وَرُبَّمَا أَفْرَدَ , وَرُبَّمَا اِسْتَوْعَبَ وَرُبَّمَا اِقْتَصَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ مُقْتَصِرًا عَلَى الثَّانِي , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن يَعْلَى عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ بِالْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَة وَزَادَ " وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُحْسِنْ قِرَى ضَيْفه " الْحَدِيث. قَوْله ( فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ ) بِكَسْرِ الضَّاد وَالْمُعْجَمَة وَفَتْح اللَّام وَقَدْ تُسَكَّن , وَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي " الْمُبْتَدَأ " عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ آدَم الْأَقْصَر الْأَيْسَر وَهُوَ نَائِم " وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَازِم وَغَيْره مِنْ حَدِيث مُجَاهِد , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَعَزَاهُ لِلْفُقَهَاءِ أَوْ بَعْضهمْ فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ النِّسَاء خُلِقْنَ مِنْ أَصْل خُلِقَ مِنْ شَيْء مُعْوَجّ , وَهَذَا لَا يُخَالِف الْحَدِيث الْمَاضِي مِنْ تَشْبِيه الْمَرْأَة بِالضِّلْعِ , بَلْ يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا نُكْتَة التَّشْبِيه وَأَنَّهَا عَوْجَاء مِثْله لِكَوْنِ أَصْلهَا مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْق. قَوْله ( وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلَع أَعْلَاهُ ) ذَكَرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الْكَسْر , لِأَنَّ الْإِقَامَة أَمْرهَا أَظْهَر فِي الْجِهَة الْعُلْيَا , أَوْ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَج أَجْزَاء الضِّلْع مُبَالَغَة فِي إِثْبَات هَذِهِ الصِّفَة لَهُنَّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِأَعْلَى الْمَرْأَة لِأَنَّ أَعْلَاهَا رَأْسهَا , وَفِيهِ لِسَانهَا وَهُوَ الَّذِي يَحْصُل مِنْهُ الْأَذَى , وَاسْتَعْمَلَ " أَعْوَج " وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُيُوب لِأَنَّهُ أَفْعَل لِلصِّفَةِ وَأَنَّهُ شَاذّ , وَإِنَّمَا يَمْتَنِع عِنْد الِالْتِبَاس بِالصِّفَةِ فَإِذَا تَمَيَّزَ عَنْهُ بِالْقَرِينَةِ جَازَ الْبِنَاء. قَوْله ( فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهُ كَسَرْته ) الضَّمِير لِلضِّلْعِ لَا لِأَعْلَى الضِّلْع , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله " إِنْ أَقَمْتهَا كَسَرْتهَا " وَالضَّمِير أَيْضًا لِلضِّلْعِ وَهُوَ يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْمَرْأَةِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْده " وَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِكَسْرِهِ الطَّلَاق , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم " وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرهَا طَلَاقهَا ". قَوْله ( وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَج ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُقِمْهُ , وَقَوْله " فَاسْتَوْصُوا " أَيْ أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بِهَا , قَالَهُ الْبَيْضَاوِيّ. وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّقْدِير أَنَّ الِاسْتِيصَاء اِسْتِفْعَال , وَظَاهِره طَلَب الْوَصِيَّة وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهَات أُخَر فِي بَدْء الْخَلْق. قَوْله ( بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) كَانَ فِيهِ رَمْزًا إِلَى التَّقْوِيم يَرْفُق بِحَيْثُ لَا يُبَالِغ فِيهِ فَيَكْسِر وَلَا يَتْرُكهُ فَيَسْتَمِرّ عَلَى عِوَجه , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّف بِاتِّبَاعِهِ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْده " بَاب قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا " فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنْ لَا يَتْرُكهَا عَلَى الِاعْوِجَاج إِذَا تَعَدَّتْ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْص إِلَى تَعَاطِي الْمَعْصِيَة بِمُبَاشَرَتِهَا أَوْ تَرْكِ الْوَاجِب , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ يَتْرُكهَا عَلَى اِعْوِجَاجهَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة. وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى الْمُدَارَاة لِاسْتِمَالَةِ النُّفُوس وَتَأَلُّف الْقُلُوب. وَفِيهِ سِيَاسَة النِّسَاء بِأَخْذِ الْعَفْو مِنْهُنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَجهنَّ , وَأَنَّ مَنْ رَامَ تَقْوِيمهنَّ فَإِنَّهُ الِانْتِفَاع بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ اِمْرَأَة يَسْكُن إِلَيْهَا وَيَسْتَعِين بِهَا عَلَى مَعَاشه , فَكَأَنَّهُ قَالَ : الِاسْتِمْتَاع بِهَا لَا يَتِمّ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا.