📖باب {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} الآيَةَ"And to everyone, We have appointed heirs of that (property) left by parents and relatives. To those, also, with whom you have made a pledge (brotherhood), give them their due portion [by Wasiya (wills)]. Truly, Allah is Ever a Witness over all things." (V.4:33)
💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّلْت بْن مُحَمَّد ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْكَفَالَة , وَأُحِيلَ بِشَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِع. قَوْله : ( عَنْ إِدْرِيس ) هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ الْأَلِف وَسُكُون الْوَاو وَالِد عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس الْفَقِيه الْكُوفِيّ , وَإِدْرِيس ثِقَة عِنْدهمْ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة " حَدَّثَنَا إِدْرِيس بْن يَزِيد ". قَوْله : ( عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف ) وَقَعَ فِي الْفَرَائِض " عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ إِدْرِيس حَدَّثَنَا طَلْحَة ". قَوْله : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ , قَالَ : وَرَثَة ) هَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن أَهْل التَّفْسِير مِنْ السَّلَف , أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرهمْ , ثُمَّ قَالَ : وَتَأْوِيل الْكَلَام وَلِكُلِّكُمْ أَيّهَا النَّاس جَعَلْنَا عَصَبَة يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِده وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثهمْ لَهُ. وَذَكَرَ غَيْره الْآيَة تَقْدِيرًا غَيْر ذَلِكَ فَقِيلَ : التَّقْدِير جَعَلْنَا لِكُلِّ مَيِّت وَرَثَة تَرِث مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. وَقِيلَ : التَّقْدِير وَلِكُلٍّ مَال مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ جَعَلْنَا وَرَثَة يَحُوزُونَهُ. فَعَلَى هَذَا " كُلّ " مُتَعَلِّقَة بِجَعَلَ وَ " مِمَّا تَرَكَ " صِفَة لِكُلٍّ وَ " الْوَالِدَانِ " فَاعِل تَرَكَ , وَيَلْزَم عَلَيْهِ الْفَصْل بَيْن الْمَوْصُوف وَصِفَته , وَقَدْ سُمِعَ كَثِيرًا , وَفِي الْقُرْآن ( قُلْ أَغَيْر اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ ) فَإِنَّ فَاطِر صِفَة اللَّه اِتِّفَاقًا , وَقِيلَ : التَّقْدِير وَلِكُلِّ قَوْم جَعَلْنَاهُمْ مَوْلًى أَيْ وَرَثَة نَصِيب مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُمْ وَأَقْرَبُوهُمْ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ " لِكُلٍّ " خَبَر مُقَدَّم وَ " نَصِيب " مُبْتَدَأ مُؤَخَّر وَ ( جَعَلْنَاهُمْ ) صِفَة لِقَوْمِ وَ ( مِمَّا تَرَكَ ) صِفَة لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي حُذِفَ وَ ( نَصِيب ) صِفَته , وَكَذَا حُذِفَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كُلّ وَبَقِيَتْ صِفَته , وَكَذَا حُذِفَ الْعَائِد عَلَى الْمَوْصُوف , هَذَا حَاصِل مَا ذَكَرَهُ الْمُعْرِبُونَ , وَذَكَرُوا غَيْر ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِره التَّكَلُّف. وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ كُلّ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا وَهُوَ قَوْله : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ ) ثُمَّ قَالَ ( وَلِكُلٍّ ) أَيْ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء ( جَعَلْنَا ) أَيْ قَدَّرْنَا ( نَصِيبًا ) أَيْ مِيرَاثًا ( مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ , وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ بِالْحَلِفِ أَوْ الْمُوَالَاة وَالْمُؤَاخَاة ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) خِطَاب لِمَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ أَيْ مَنْ وُلِّيَ عَلَى مِيرَاث أَحَد فَلْيُعْطِ لِكُلِّ مَنْ يَرِثهُ نَصِيبه , وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَّضِح يَنْبَغِي أَنْ يَقَع الْإِعْرَاب وَيُتْرَك مَا عَدَاهُ مِنْ التَّعَسُّف. قَوْله : ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة يَرِث الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُون ذَوِي رَحِمه لِلْأُخُوَّةِ ) هَكَذَا حَمَلَهَا اِبْن عَبَّاس عَلَى مَنْ آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ , وَحَمَلَهَا غَيْره عَلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُحَالِف الرَّجُل لَيْسَ بَيْنهمْ نَسَب فَيَرِث أَحَدهمَا الْآخَر , فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل فَيَرِثهُ , وَعَاقَدَ أَبُو بَكْر مَوْلًى فَوَرِثَهُ. قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نُسِخَتْ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ نَاسِخ مِيرَاث الْحَلِيف هَذِهِ الْآيَة. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل , فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَر , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ) يَقُول إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِكُمْ الَّذِينَ عَاقَدْتُمْ. وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ : كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة فَيَقُول دَمِي دَمك وَتَرِثنِي وَأَرِثك , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبهمْ مِنْ الْمِيرَاث وَهُوَ السُّدُس , ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ فَقَالَ ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) , وَمِنْ طُرُق شَتَّى عَنْ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّسْخ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : الْأُولَى حَيْثُ كَانَ الْمُعَاقِد يَرِث وَحْده دُون الْعَصَبَة فَنَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ ) وَهِيَ آيَة الْبَاب فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل حَدِيث اِبْن عَبَّاس , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَة الْأَحْزَاب وَخُصَّ الْمِيرَاث بِالْعَصَبَةِ وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْر وَالْإِرْفَادُ وَنَحْوهمَا , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل بَقِيَّة الْآثَار. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ اِبْن عَبَّاس فِي حَدِيثه أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُر النَّاسِخ الثَّانِي , وَلَا بُدّ مِنْهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) مِنْ النَّصْر وَالرِّفَادَة وَالنَّصِيحَة وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاث وَيُوصَى لَهُ ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ , وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْء بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَفْظه : ثُمَّ قَالَ ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) مِنْ النَّصْر إِلَخْ , فَقَوْله مِنْ النَّصْر يَتَعَلَّق بِآتُوهُمْ لَا بِعَاقَدَتْ وَلَا بِأَيْمَانِكُمْ , وَهُوَ وَجْه الْكَلَام , وَالرِّفَادَة بِكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا فَاءَ خَفِيفَة الْإِعَانَة بِالْعَطِيَّةِ. قَوْله : ( سَمِعَ أَبُو أُسَامَة إِدْرِيس وَسَمِعَ إِدْرِيس طَلْحَة ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده , وَقَدْ قَدَّمْت التَّنْبِيه عَلَى مَنْ وَقَعَ عِنْده التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي أُسَامَة مِنْ إِدْرِيس وَلِإِدْرِيس مِنْ طَلْحَة فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّف , وَاَللَّه أَعْلَم.