💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة ) أَيْ اِبْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأُمَوِيّ , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة. قَوْله : ( قَالَ أَخْبَرَنِي ) قَائِل ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَعَنْبَسَة بْن سَعِيد أَيْ اِبْن الْعَاصِ وَهُوَ عَمّ وَالِد إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة. قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ ) هَذَا السِّيَاق صُورَته مُرْسَل , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر مُصَرَّحًا فِيهِ بِالِاتِّصَالِ فِي أَوَائِل الْجِهَادِ , وَفِيهِ بَيَان اِسْم الْمُبْهَم هُنَا فِي قَوْله : " قَالَ بَعْض بَنِي سَعِيد " وَبَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِهِ اِبْن قَوْقَلٍ وَشَرْحُ مَا فِيهِ. قَوْله : ( فَسَأَلَهُ ) أَيْ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ , وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ فِي الْجِهَادِ " فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي ". قَوْله : ( قَالَ لَهُ بَعْض بَنِي سَعِيد بْن الْعَاصِ لَا تُعْطِهِ ) الْقَائِل هُوَ أَبَانُ بْن سَعِيد كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ. قَوْله : ( وَاعَجْبَاه ) فِي رِوَايَة السَّعِيدِيِّ الَّتِي بَعْد هَذِهِ وَاعَجَبًا لَك " وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ اِسْم فِعْل بِمَعْنَى أَعْجَبُ وَ " وَا " مِثْل وَاهَا , وَاعَجَبًا لِلتَّوْكِيدِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ بِمَعْنَى وَاعَجَبَى فَأُبْدِلَتْ الْكَسْرَةُ فَتْحَة كَقَوْلِهِ يَا أَسَفَى , وَفِيهِ شَاهِد عَلَى اِسْتِعْمَال " وَا " فِي مُنَادَى غَيْرِ مَنْدُوبٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُبَرِّدِ وَاخْتِيَارُ اِبْنِ مَالِكٍ. قَوْله : ( لِوَبْرٍ تَدَلَّى مِنْ قُدُومِ الضَّأْنِ ) كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَقَدْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْله : ( وَيُذْكَر عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ) أَيْ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْهُ , وَوَصَلَهَا أَيْضًا أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل أَيْضًا وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم كِلَاهُمَا عَنْ الْحُمَيْدِيِّ. قَوْله : ( يُخْبِر سَعِيد بْن الْعَاصِ ) أَيْ اِبْن أُمَيَّة , وَكَانَ سَعِيد بْن الْعَاصِ تَأَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. قَوْله : ( قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ ) لَمْ أَعْرِف حَال هَذِهِ السَّرِيَّةِ , وَأَمَّا أَبَانُ فَهُوَ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَهُوَ عَمّ سَعِيد بْن الْعَاصِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَبُو هُرَيْرَة , وَكَانَ إِسْلَام أَبَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَانَ هَذَا أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّة وَبَلَّغَ رِسَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَة أَنَّ غَزْوَة خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَ الرُّجُوعِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ , فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَانَ أَسْلَمَ عَقِبَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى أَمْكَنَ أَنْ يَبْعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ , وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَم بْن عَلِيّ فِي الْأَخْبَار سَبَب إِسْلَام أَبَانَ , فَرَوَى مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْعَاصِ قَالَ : " قُتِلَ أَبِي يَوْم بَدْر ,. فَرَبَّانِي عَمِّي أَبَان , وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسُبّهُ إِذَا ذُكِرَ , فَخَرَجَ إِلَى الشَّام فَرَجَعَ فَلَمْ يَسُبَّهُ , فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ , فَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَاهِبًا فَأَخْبَرَهُ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ , فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ , فَلَمْ يَلْبَثَ أَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ " فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُرُوج أَبَان إِلَى الشَّام كَانَ قَبْل الْحُدَيْبِيَةِ. قَوْله : ( وَإِنَّ حُزُمَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مَضْمُومَتَيْنِ. قَوْله : ( لَلِيفٌ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ , وَاللِّيفُ مَعْرُوف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ اللِّيفُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِن بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ. قَوْله : ( وَأَنْتَ بِهَذَا ) أَيْ وَأَنْتَ تَقُولُ بِهَذَا , أَوْ وَأَنْتَ بِهَذَا الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَوْنِك لَسْت مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَا مِنْ بِلَادِهِ. قَوْله : ( يَا وَبْرُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ دَابَّةٌ صَغِيرَة كَالسِّنَّوْرِ وَحْشِيَّة , وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي عَنْ أَبِي حَاتِم أَنَّ بَعْض الْعَرَب يُسَمِّي كُلّ دَابَّةٍ مِنْ حَشَرَات الْجِبَالِ وَبْرًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ أَبَانُ تَحْقِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَدْرِ مَنْ يُشِير بِعَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ , وَأَنَّهُ قَلِيل الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِتَالِ اِنْتَهَى. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُلْصَق فِي قُرَيْش لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِاَلَّذِي يَعْلَقُ بِوَبَرِ الشَّاةِ مِنْ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون الرِّوَايَة " وَبَرٌ " بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ : وَلَمْ يُضْبَطْ إِلَّا بِالسُّكُونِ. قَوْله : ( تَحَدَّرَ ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " تَدَلَّى " وَهِيَ بِمَعْنَاهَا , وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا , " تَدَأْدَأَ " بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَة سَاكِنَة , قِيلَ : أَصْلُهُ تَدَهْدَأْ فَأُبْدِلَتْ الْهَاء هَمْزَة , وَقِيلَ : الدَّأْدَأَةُ صَوْتُ الْحِجَارَةِ فِي الْمَسِيلِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ " تَدَأْرَأْ " بِرَاءِ بَدَل الدَّالِ الثَّانِيَة , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ " تَرَدَّى " وَهِيَ بِمَعْنَى تَحَدَّرَ وَتَدَلَّى , كَأَنَّهُ يَقُول : تَهَجَّمَ عَلَيْنَا بَغْتَة. قَوْله : ( مِنْ رَأْسٍ ضَالٍّ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِاللَّامِ , وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالنُّونِ , وَقَدْ فَسَّرَ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَةالْمُسْتَمْلِيّ الضَّالُّ بِاللَّامِ فَقَالَ هُوَ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ إِنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ " الضَّالُّ سِدْرَةُ الْبَرِّ " وَتَقَدَّمَ كَلَامُ اِبْنِ دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْجِهَادِ وَأَنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَأَمَّا قَدُومُ فَبِفَتْحِ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ طَرَف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِي بِضَمِّ الْقَاف , وَأَمَّا الضَّانّ فَقِيلَ هُوَ رَأْسُ الْجَبَلِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَوْضِع مَرْعى الْغَنَم , وَقِيلَ : هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ , وَهُوَ جَبَل لِدَوْسٍ قَوْمِ أَبِي هُرَيْرَة.