💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( فَبَرَأَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ بِوَزْنِ ضَرَبَ , وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ , وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسه قَالَ : " فَوَضَعَ رَأْسِي فِي حِجْرِهِ ثُمَّ بَزَقَ فِي أَلْيَةِ رَاحَتِهِ فَدَلَكَ بِهَا عَيْنَيَّ " وَعِنْدَ بُرَيْدَةَ فِي " الدَّلَائِل " لِلْبَيْهَقِيّ " فَمَا وَجِعَهَا عَلِيٌّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ " أَيْ مَاتَ. وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ " فَمَا رَمِدَتْ وَلَا صَدَعَتْ مُذْ دَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ " وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ " فَمَا اِشْتَكَيْتهَا حَتَّى السَّاعَةَ. قَالَ : وَدَعَا لِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْقَرَّ , قَالَ فَمَا اِشْتَكَيْتهمَا حَتَّى يَوْمِي هَذَا ". قَوْله : فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ( فَقَالَ عَلِيّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ ) هُوَ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ. قَوْله : ( حَتَّى يَكُونُوا مِثْلنَا ) أَيْ حَتَّى يُسْلِمُوا. قَوْله : ( فَقَالَ اُنْفُذْ ) بِضَمِّ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة. قَوْله : ( عَلَى رِسْلك ) بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ عَلَى هَيْنَتِك. قَوْله : ( ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَام ) وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم " فَقَالَ عَلِيّ " يَا رَسُول اللَّه عَلَّام أُقَاتِل النَّاس ؟ قَالَ : قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُوله " وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : " اُدْعُهُمْ " أَنَّ الدَّعْوَةَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ فَقِيلَ : يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا , وَهُوَ عَنْ مَالِك سَوَاء مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَوْ لَمْ تَبْلُغهُمْ , قَالَ : إِلَّا أَنْ يُعْجِلُوا الْمُسْلِمِينَ , وَقِيلَ : لَا مُطْلَقًا وَعَنْ الشَّافِعِيّ مِثْله. وَعَنْهُ لَا يُقَاتِل مَنْ لَمْ تَبْلُغهُ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ , وَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ فَتَجُوز الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ , وَهُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ. وَيُحْمَل مَا فِي حَدِيث سَهْل عَلَى الِاسْتِحْبَاب , بِدَلِيلِ أَنَّ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى أَهْل خَيْبَر لَمَّا لَمْ يَسْمَع النِّدَاءَ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل مَا طَرَقَهُمْ , وَكَانَتْ قِصَّة عَلِيٍّ بَعْد ذَلِكَ. وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ تَجُوزُ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا وَتُسْتَحَبُّ الدَّعْوَةُ. قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللَّه بِك رَجُلًا إِلَخْ ) يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ تَأَلُّفَ الْكَافِرِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْلَى مِنْ الْمُبَادَرَةِ إِلَى قَتْلِهِ. قَوْله : ( حُمْرِ النَّعَمِ ) بِسُكُونِ الْمِيمِ مِنْ حُمْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَلْوَان الْإِبِل الْمَحْمُودَة , قِيلَ : الْمُرَاد خَيْر لَك مِنْ أَنْ تَكُون لَك فَتَتَصَدَّق بِهَا , وَقِيلَ : تَقْتَنِيَهَا وَتَمْلِكُهَا , وَكَانَتْ مِمَّا تَتَفَاخَر الْعَرَب بِهَا. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع قَالَ : " خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ حِين بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَايَتِهِ فَضَرَبَهُ رَجُل مِنْ يَهُود فَطَرَحَ تُرْسه , فَتَنَاوَلَ عَلِيّ بَابًا كَانَ عِنْد الْحِصْن فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ , فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَنَا فِي سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نُجْهِدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ ". وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث جَابِرِ " أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَر , وَأَنَّهُ جَرَّبَ بَعْد ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا " وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّبْعَةَ عَالَجُوا قَلْبَهُ , وَالْأَرْبَعِينَ عَالَجُوا حَمْله , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ظَاهِر , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِاخْتِلَافِ حَال الْأَبْطَالِ. وَزَادَ مُسْلِم فِي حَدِيث إِيَاس بْن سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ " وَخَرَجَ مَرْحَب فَقَالَ : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَر أَنِّي مَرْحَب , الْأَبْيَات. فَقَالَ عَلِيّ : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةَ , الْأَبْيَات. فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَب فَقَتَلَهُ , فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ " وَكَذَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْلُ وَخَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ فَجَزَمَ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَالْوَاقِدِيّ بِأَنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا هُوَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , وَكَذَا رَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ جَابِر , وَقِيلَ إِنَّ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ كَانَ بَارَزَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَلِيّ , وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْحَارِث أَخُو مَرْحَب فَاشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا سِوَاهُ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَيْضًا , وَكَانَ اِسْم الْحِصْن الَّذِي فَتَحَهُ عَلِيٌّ الْقَمُوصُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ حُصُونِهِمْ , وَمِنْهُ سُبِيَتْ صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.