💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل وَيَزِيد بْن أَبِي عُبَيْدَة هُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَع , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَالِيًا فِي الْجِهَاد عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ يَزِيد وَهُوَ أَحَدُ ثُلَاثِيَّاتِهِ. قَوْله : ( خَرَجْت قَبْل أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى ) يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّهُ تَبِعَهُمْ مِنْ الْغَلَسِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ , وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ " خَرَجْت مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ ". قَوْله : ( وَكَانَتْ لِقَاح رَسُول اللَّه تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ ) اللِّقَاحُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ ثُمَّ مُهْمَلَة. ذَوَاتُ الدَّرِّ مِنْ الْإِبِلِ وَاحِدُهَا لِقْحَةٌ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا , وَاللَّقُوحُ الْحَلُوبُ. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهَا كَانَتْ عِشْرِينَ لِقْحَة , قَالَ. وَكَانَ فِيهِمْ اِبْن أَبِي ذَرٍّ وَامْرَأَتُهُ فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَسَرُوا الْمَرْأَةَ. قَوْله : ( فَلَقِيَنِي غُلَام لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ رَبَاحُ غُلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ , وَكَأَنَّهُ كَانَ مِلْك أَحَدِهِمَا وَكَانَ يَخْدُمُ الْآخَرَ فَنُسِبَ تَارَة إِلَى هَذَا وَتَارَة إِلَى هَذَا. قَوْله : ( غَطَفَانَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ , تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِمْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ , وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ " غَطَفَانَ وَفَزَارَة " وَهُوَ مِنْ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِأَنَّ فَزَارَةَ مِنْ غَطَفَانَ , وَعِنْد مُسْلِم " قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ , فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِهِ وَأَنَا مَعَهُ , وَخَرَجْت بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أَنْدُبُهُ , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْد الرَّحْمَن الْفَزَارِيُّ " وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ " عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ بْن حِصْن الْفَزَارِيُّ وَقَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَع وَقَتَلَ رَاعِيه , قَالَ فَقُلْت : يَا رَبَاح خُذْ هَذَا الْفَرَسَ وَأَبْلِغْهُ طَلْحَة وَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَر " وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ " خَرَجْت بِقَوْسِي وَنَبْلِي وَكُنْت أَرْمِي الصَّيْدَ , فَإِذَا عُيَيْنَةُ بْن حِصْن قَدْ أَغَارَ عَلَى لِقَاح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهَا " وَلَا مُنَافٍ , فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عُيَيْنَةَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ كَانَ فِي الْقَوْمِ. وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن إِسْحَاق أَنَّ مُسْعَدَة الْفَزَارِيَّ كَانَ أَيْضًا رَئِيسًا فِي فَزَارَةَ فِي هَذِهِ الْغُزَاةِ. قَوْله : ( فَصَرَخْت ثَلَاثَةَ صَرَخَاتٍ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ " بِثَلَاثِ " بِزِيَادَةِ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ. قَوْله : ( فَأَسْمَعْت مَا بَيْن لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِع الصَّوْت جِدًّا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ خَوَارِق الْعَادَاتِ. وَلِمُسْلِمٍ " فَعَلَوْت أَكْمَةً فَاسْتَقْبَلْت الْمَدِينَةَ فَنَادَيْت ثَلَاثًا " وَلِلطَّبَرَانِيِّ " فَصَعِدْت فِي سَلَعٍ ثُمَّ صِحْت : يَا صَبَاحَاهُ , فَانْتَهَى صِيَاحِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنُودِيَ فِي النَّاسِ الْفَزَعَ الْفَزَع " وَهُوَ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله : ( يَا صَبَاحَاهُ ) هِيَ كَلِمَة تُقَال عِنْد اِسْتِنْفَارِ مَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ عَدُوِّهِ. قَوْله : ( ثُمَّ اِنْدَفَعْت عَلَى وَجْهِي ) أَيْ لَمْ أَلْتَفِت يَمِينًا وَلَا شِمَالًا بَلْ أَسْرَعْت الْجَرْيَ , وَكَانَ شَدِيدَ الْعَدْوِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. قَوْله : ( حَتَّى أَدْرَكْتهمْ ) فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ " حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا " يَعْنِي اللِّقَاحَ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَارِ الْحَالِ. قَوْله : ( فَأَقْبَلْت أَرْمِيَهُمْ ) أَيْ أَقْبَلْت عَلَيْهِمْ أَرْمِيهمْ أَيْ بِالسِّهَامِ. قَوْله : ( وَأَقُول : أَنَا اِبْن الْأَكْوَعِ , وَالْيَوْم يَوْم الرُّضَّعِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ رَاضِعٍ وَهُوَ اللَّئِيمُ , فَمَعْنَاهُ الْيَوْمَ يَوْمَ اللِّئَامِ أَيْ الْيَوْم يَوْم هَلَاك اللِّئَام , وَالْأَصْل فِيهِ أَنَّ شَخْصًا كَانَ شَدِيد الْبُخْل , فَكَانَ إِذَا أَرَادَ حَلْبَ نَاقَتِهِ اِرْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا لِئَلَّا يَحْلُبُهَا فَيَسْمَعُ جِيرَانُهُ أَوْ مَنْ يَمُرُّ بِهِ صَوْتَ الْحَلْبِ فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ اللَّبَنَ , وَقِيلَ : بَلْ صَنَعَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَبَدَّدَ مِنْ اللَّبَنِ شَيْءٌ إِذَا حَلَبَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ إِذَا شَرِبَهُ مِنْهُ , فَقَالُوا فِي الْمَثَلِ " أَلْأَمُ مِنْ رَاضِعٍ " وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى الْمَثَلِ اِرْتَضَعَ اللُّؤْمَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ , وَقِيلَ : كُلّ مَنْ كَانَ يُوصَف وَبِاللُّؤْمِ يُوصَف بِالْمَصِّ وَالرَّضَاع , وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ يَمُصُّ طَرَف الْخِلَالِ إِذَا خَلّ أَسْنَانه , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّة الْحِرْص. وَقِيلَ : هُوَ الرَّاعِي الَّذِي لَا يَسْتَصْحِبُ مِحْلَبًا , فَإِذَا جَاءَهُ الضَّيْفُ اِعْتَذَرَ بِأَنْ لَا مِحْلَبَ مِنْهُ , وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ اِرْتَضَعَ ثَدْيَهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : هُوَ الَّذِي يَرْتَضِعُ الشَّاةَ أَوْ النَّاقَةَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَلْبِ مِنْ شِدَّةِ الشَّرَهِ. وَقِيلَ : أَصْلُهُ الشَّاة تَرْضَعُ لَبَنَ شَاتَيْنِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ اِرْتَضَعَ كَرِيمَةً فَأَنْجَبْته وَلَئِيمَةٍ فَهَجَّنَتْهُ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَف مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا مِنْ غَيْره. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ هَذَا يَوْم شَدِيد عَلَيْكُمْ تُفَارِق فِيهِ الْمُرْضِعَةُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ فَلَا تَجِدُ مَنْ تُرْضِعُهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْله الْيَوْم يَوْم الرُّضَّع يَجُوز الرَّفْعُ فِيهِمَا وَنَصْب الْأَوَّل وَرَفْع الثَّانِي عَلَى جَعْلِ الْأَوَّل ظَرْفًا قَالَ : وَهُوَ جَائِز إِذَا كَانَ الظَّرْف وَاسِعًا وَلَا يُضَيِّق عَلَى الثَّانِي. قَالَ : وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال فِي اللُّؤْمِ رَضَعَ بِالْفَتْحِ يُرْضِعُ بِالضَّمِّ رَضَاعَة لَا غَيْر , وَرَضِعَ الصَّبِيّ بِالْكَسْرِ ثَدْيَ أُمِّهِ يَرْضَعُ بِالْفَتْحِ رَضَاعًا مِثْل سَمِعَ يَسْمَع سَمَاعًا. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِع " فَأَقْبَلْت أَرْمِيَهُمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ " وَفِيهِ " فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي رِجْلِهِ فَخَلَصَ السَّهْمُ إِلَى كَعْبِهِ , فَمَا زِلْت أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُهُمْ , فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ مِنْهُمْ أَتَيْت شَجَرَة فَجَلَسْت فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْته فَعَقَرْت بِهِ , فَإِذَا تَضَايَقَ الْخَيْلُ فَدَخَلُوا فِي مُضَايَقَةٍ عَلَوْت الْجَبَلَ فَرَمَيْتهمْ بِالْحِجَارَةِ " وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق " وَكَانَ سَلَمَةَ مِثْل الْأَسَد , فَإِذَا حَمَلَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ فَرَّ ثُمَّ عَارَضَهُمْ فَنَضَحَهَا عَنْهُ بِالنَّبْلِ ". قَوْله : ( اِسْتَنْقَذْت اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْت مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِم " فَمَا زِلْت كَذَلِكَ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا خَلَفْته وَرَاءَ ظَهْرِي , ثُمَّ اِتَّبَعْتهمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَتَخَفَّفُونَ بِهَا , قَالَ فَأَتَوْا مَضِيقًا فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ فَجَلَسْت عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ , فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبُرْجَ , قَالَ فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ , فَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَتَهَدَّدَهُمْ فَرَجَعُوا , قَالَ : فَمَا بَرَحْت مَكَانِي حَتَّى رَأَيْت فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ , فَقُلْت لَهُ اُحْذُوهُمْ , فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ فَقَتَلَهُ عَبْد الرَّحْمَن وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ , فَلَحِقَهُ أَبُو قَتَادَةَ فَقَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَتَحَوَّلَ عَلَى الْفَرَسِ , قَالَ وَاتَّبَعْتهمْ عَلَى رِجْلَيَّ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا , فَعَدَلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ ذِي قَرَدٍ فَشَرِبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ , قَالَ فَجَلَاهُمْ عَنْهُ حَتَّى طَرَدَهُمْ , وَتَرَكُوا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ فَحُثْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق نَحْو هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَالَ " إِنَّ الْأَخْرَمَ لَقَبٌ , وَاسْمُهُ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ " لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ " حَبِيب بْن عُيَيْنَةَ بْن حِصْن " بَدَل عَبْد الرَّحْمَن , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ لَهُ اِسْمَانِ. قَوْله : ( وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاس ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِم " وَأَتَانِي عَمِّي عَامِر بْن الْأَكْوَع بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاء وَسَطِيحَة فِيهَا لَبَن , فَتَوَضَّأْت وَشَرِبْت " ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أَجْلَيْتهمْ عَنْهُ , فَإِذَا هُوَ قَدْ أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ اِسْتَنْقَذْته مِنْهُمْ , وَنَحَرَ لَهُ بِلَالُ نَاقَتَهُ. قَوْله : ( قَدْ حَمَيْت الْقَوْم الْمَاء ) أَيْ مَنَعْتهمْ مِنْ الشُّرْبِ. قَوْله : ( فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ السَّاعَة ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه خَلِّنِي أَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُهُمْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِر , قَالَ فَضَحِكَ " وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق " فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ سَرَّحْتنِي فِي مِائَة رَجُل لَأَخَذْت بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ ". قَوْله : ( فَقَالَ يَا اِبْن الْأَكْوَعِ مَلَكْت فَأَسْجِحْ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ , أَيْ سَهِّل. وَالْمَعْنَى قَدَرْت فَاعْفُ. وَالسَّجَاحَةُ السُّهُولَةُ. زَادَ مَكِّيّ فِي رِوَايَته " أَنَّ الْقَوْم لَيُقْرَونَ فِي قَوْمِهِمْ " وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ " مِنْ قَوْمهمْ " وَلِمُسْلِمٍ " أَنَّهُمْ لَيُقْرَونَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ " وَيُقْرَونَ بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْقَاف وَفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو مِنْ الْقُرَى وَهِيَ الضِّيَافَة , وَلِابْنِ إِسْحَاق " فَقَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لِيَغْبِقُونِ فِي غَطَفَانَ " وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ , مِنْ الْغَبُوقِ وَهُوَ شُرْبُ أَوَّلِ اللَّيْلِ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ فَاتُوا وَأَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ وَنَزَلُوا عَلَيْهِمْ فَهُمْ الْآنَ يَذْبَحُونَ لَهُمْ وَيُطْعِمُونَهُمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ " قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا , فَلَمَّا كَشَطُوا جِلْدَهَا إِذَا هُمْ بِغَبَرَةٍ , فَقَالُوا : أَتَاكُمْ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ ". قَوْله : ( ثُمَّ رَجَعْنَا ) إِلَى الْمَدِينَةِ ( وَيُرْدِفُنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ " وَذَكَرَ قِصَّةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي سَابَقَهُ فَسَبَقَهُ سَلَمَة , قَالَ : " فَسَبَقْت إِلَى الْمَدِينَةِ , فَوَاَللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ - وَفِيهِ - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْر فُرْسَانِنَا الْيَوْم أَبُو قَتَادَةَ , وَخَيْر رِجَالَتِنَا الْيَوْم سَلَمَة. قَالَ سَلَمَة ثُمَّ أَعْطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا " وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي " الْإِكْلِيلِ " وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْن قَتَادَةَ بْن عَبْد اللَّه بْن عِكْرِمَة بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ , أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اِشْتَرَى فَرَسَهُ , فَلَقِيَهُ مُسْعَدَةُ الْفَزَارِيُّ فَتَقَاوَلَا فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْقِينَك وَأَنَا عَلَيْهَا , قَالَ : آمِينَ. قَالَ : فَبَيْنَمَا هُوَ يَعْلِفُهَا إِذْ قِيلَ : أُخِذَتْ اللِّقَاحُ , فَرَكِبَهَا حَتَّى هَجَمَ عَلَى الْعَسْكَرِ , قَالَ فَطَلَعَ عَلَى فَارِسٍ فَقَالَ : لَقَدْ أَلْقَانِيكَ اللَّهُ يَا أَبَا قَتَادَةَ , فَذَكَرَ مُصَارَعَتَهُ لَهُ وَظُفْرَهُ بِهِ وَقَتَلَهُ وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ , ثُمَّ لَمْ يَنْشَب الْمُسْلِمُونَ أَنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أَبُو قَتَادَةَ يَحُوشُ اللِّقَاحَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو قَتَادَةَ سَيِّد الْفُرْسَان ". وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْعَدْوِ الشَّدِيدِ فِي الْغَزْوِ , وَالْإِنْذَارُ بِالصِّيَاحِ الْعَالِي , وَتَعْرِيفُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ , وَاسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجَاعِ وَمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ لَا سِيَّمَا عِنْد الصُّنْعِ الْجَمِيلِ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ يُؤْمَنُ الِافْتِتَان , وَفِيهِ الْمُسَابَقَة عَلَى الْإِقْدَامِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ , وَأَمَّا بِالْعِوَضِ فَالصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.