{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} قَالَتْ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ .
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ} قَالَتْ كَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
أخرجه مسلم في التفسير، رقم: ٣٠٢٠. (من فوقكم) من فوق الوادي من قبل المشرق. (من أسفل منكم) من الوادي من قبل الغرب. (زاغت الأبصار) حالت عن سننها ومستوى نظرها وهو كناية عن شدة الخوف. (بلغت القلوب الحناجر) ارتفعت حتى بلغت الحلوق، وهذا أيضا كناية عن شدة الخوق. /الأحزاب: ١٠/.
قَوْله : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ , وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) قَالَتْ : " كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ " هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَعِنْدَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ) قَالَ : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. ( وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) : أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب. وَبَيَّنَ اِبْن إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ قُرَيْش بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَة وَتِهَامَة , وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ , وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَع فِي ثَلَاثَة آلَافٍ , وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ , وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ , قَالَ : وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْن أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي , وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ , فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا , فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِك ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالنَا , مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَة , وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ. فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ , حَتَّى تَكَلَّم مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وَأَوْس بْن قَيْظِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) الْآيَات قَالَ : وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَان , قَالَ اِبْن إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرو بْن عَبْد وُدّ الْعَامِرِيّ اِقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَر مَعَهُ خُيُولَهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ , وَبَرَزَ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْر فَقَتَلَهُ , وَيُقَال قَتَلَهُ عَلِيّ , وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَة. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ " أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَة : أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ نُدْرِكْهُ , فَقَالَ : يَا بْن أَخِي , وَاَللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْته كَيْفَ تَكُونُ , لَقَدْ رَأَيْتنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَذْهَب فَيَعْلَم لَنَا عِلْمَ الْقَوْم جَعَلَهُ اللَّه رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَة , فَوَاَللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ , فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَة. جَعَلَهُ اللَّه رَفِيقِي , فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْر : اِبْعَثْ حُذَيْفَةَ , فَقَالَ : اِذْهَبْ , فَقُلْت أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ , قَالَ : إِنَّك لَنْ تُؤْسَرَ , فَذَكَرَ أَنَّهُ اِنْطَلَقَ , وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا , وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاء إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاء إِلَّا أَكْفَأَتْهُ " وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَرِيع بْن حُذَيْفَة نَحْوُهُ وَفِيهِ : " إِنَّ عَلْقَمَةَ بْن عُلَاثَة صَارَ يَقُول : يَا آلَ عَامِرٍ , إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلَتِي وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْش وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ " وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز اِبْن أَخِي حُذَيْفَة عَنْ أَبِي حُذَيْفَة قَالَ : " لَقَدْ رَأَيْتنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا , وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا , وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا , فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ , فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَة فَقَالَ : اِذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ , قَالَ : فَدَعَا لِي فَأَذْهَب اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ , فَدَخَلْت عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا , فَلَمَّا رَجَعْت رَأَيْت فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا : أَخْبِرْ صَاحِبَك أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَفَاهُ الْقَوْمَ " وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم بِاخْتِصَارٍ , وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه شَيْء يَتَعَلَّق بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} قَالَتْ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ .
أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ هَذَا قَالَ وَمَنْ هَذَا قَالَ ابْنُ عَمِّي حَوْطُ بْنُ يَزِيدَ أَوْ يَزِيدُ بْنُ حَوْطٍ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا أُبَايِعُكَ إِنَّ النَّاسَ يُهَاجِرُونَ إِلَيْكُمْ وَلَا تُهَاجِرُونَ إِلَيْهِمْ وَالَّذِي نَفْسُ م…
جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ " .
لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ فِي الأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ فَيَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ .
أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ
