💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) سَيَأْتِي بَعْد حَدِيث اِبْن عَبَّاس الطَّرِيق الْأُخْرَى لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ , وَفِيهِ تَصْرِيح أَبِي إِسْحَاق بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ الْبَرَاءِ. قَوْله : ( حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اِغْبَرَّ بَطْنُهُ ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا , فَأَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَوَاضِح مِنْ الْغُبَارِ , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمِيمِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَالْمَعْنَى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ , وَمِنْهُ غِمَارُ النَّاسِ وَهُوَ جَمْعُهُمْ إِذَا تَكَاثَفَ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ , قَالَ : وَرَوَى أَعْفَر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ , وَالْعَفَرُ بِالتَّحْرِيكِ التُّرَابُ , وَقَالَ عِيَاض : وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِنَصْبِ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِرَفْعِهَا , وَعِنْدَ النَّسَفِيّ " حَتَّى غَبَّرَ بَطْنَهُ أَوْ اِغْبَرَّ " بِمُعْجَمَةٍ فِيهِمَا وَمُوَحَّدَة , وَلِأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد " حَتَّى أَغْمَرَ " قَالَ وَلَا وَجْه لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَتَرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ بَطْنَهُ " قَالَ : وَأَوْجَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اِغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِرَفْعِ بَطْنِهِ. قُلْت : وَفِي حَدِيثِ أُمٍّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَاطِيهِمْ اللَّبَنَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ , وَقَدْ اِغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ " حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ " وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَيْ الشَّعْرِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ إِلَى الْبَطْنِ , فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دِقَّتِهِ كَثِيرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا بَلْ كَانَ مُسْتَطِيلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( يَقُول : وَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّه مَا اِهْتَدَيْنَا ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ , وَقَوْله : " إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا " لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَتَحْرِيرُهُ إِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَذَكَرَ الرَّاوِي الْأُلَى بِمَعْنَى الَّذِينَ وَحَذَفَ قَدْ , وَزَعَمَ اِبْن التِّينِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ " قَدْ " وَ " هُمْ " قَالَ : وَالْأَصْل أَنَّ الْأُلَى هُمْ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا , وَهُوَ يَتَّزِنُ بِمَا قَالَ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّن. وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ " أَبَوْا " بَدَل بَغَوْا وَمَعْنَاهُ صَحِيح , أَيْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا. وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ " إِنَّ الْأُلَى قَدْ رَغِبُوا عَلَيْنَا " كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْتِ وَالْأَصِيلِيِّ , وَكَذَا فِي نُسْخَةِ اِبْنِ عَسَاكِر , وَلِلْبَاقِينَ " قَدْ بَغَوْا " كَالْأُولَى. وَأَمَّا الْأَصِيلِيّ فَضَبَطَهَا بِالْغَيْنِ الثَّقِيلَة وَالْمُوَحَّدَة , وَضَبَطَهَا فِي " الْمَطَالِع " بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة , وَضُبِطَتْ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت كَذَا لَكِنْ بِزَايٍ أَوَّله وَالْمَشْهُور مَا فِي " الْمَطَالِع ". قَوْله : ( وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ : أَبَيْنَا أَبَيْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَةٍ وَفِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ : " ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا " وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " أَبَيْنَا " مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : " إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا وَقَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : " إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا " فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت وَكَرِيمَة " أَتَيْنَا " بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ , وَالْأَصِيلِيّ وَالسَّجْزِيّ بِمُثَنَّاةٍ , قَالَ عِيَاض : كِلَاهُمَا صَحِيح الْمَعْنَى , أَمَّا الْأَوَّل فَمَعْنَاهُ إِذَا صِيحَ بِنَا لِفَزَعٍ أَوْ حَادِث أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَثَبَتْنَا , وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ جِئْنَا وَأَقْدَمنَا عَلَى عَدُوِّنَا. قَالَ : وَالرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِالْمُثَنَّاةِ أَوْجَهُ لِأَنَّ إِعَادَةَ الْكَلِمَةِ فِي قَوَافِي الرَّجَزِ عَنْ قُرْبٍ عَيْبٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ , فَالرَّاجِحُ أَنَّ قَوْلَهُ : " إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا " بِالْمُوَحَّدَةِ , وَقَوْله : " إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا " بِالْمُثَنَّاةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَإِنْ أَرَادُونَا عَلَى فِتْنَةٍ أَبَيْنَا " وَهُوَ تَغْيِيرٌ.