💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) هُوَ الْغُدَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلِف نُون بَصْرِيّ ثِقَة , وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد. قَوْله : ( فَقَالَ عَازِب : لَا حَتَّى تُحَدِّثنَا ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " عَلَامَات النُّبُوَّة " مِنْ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ " فَقَالَ لِعَازِبٍ : اِبْعَثْ اِبْنك يَحْمِلهُ مَعِي , قَالَ : فَحَمَلْته مَعَهُ وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِد ثَمَنه , فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا بَكْر حَدِّثْنِي " وَظَاهِرهمَا التَّخَالُف , فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَة إِسْرَائِيل أَنَّ عَازِبًا اِمْتَنَعَ مِنْ إِرْسَال وَلَده مَعَ أَبِي بَكْر حَتَّى يُحَدِّثهُمْ , وَمُقْتَضَى رِوَايَة زُهَيْر أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّق التَّحْدِيث عَلَى شَرْط , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ عَازِبًا اِشْتَرَطَ أَوَّلًا , وَأَجَابَهُ أَبُو بَكْر إِلَى سُؤَاله , فَلَمَّا شَرَعُوا فِي التَّوَجُّه اِسْتَنْجَزَ عَازِب مِنْهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ التَّحْدِيث فَفَعَلَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ اِسْتَجَازَ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى التَّحْدِيث ; وَهُوَ تَمَسُّك بَاطِل , لِأَنَّ هَؤُلَاءِ اِتَّخَذُوا التَّحْدِيث بِضَاعَة , وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ بَيْن عَازِب وَأَبِي بَكْر فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَة الْجَارِيَة بَيْن التُّجَّار بِأَنَّ أَتْبَاعهمْ يَحْمِلُونَ السِّلْعَة مَعَ الْمُشْتَرِي سَوَاء أَعْطَاهُمْ أُجْرَة أَمْ لَا , كَذَا قَالَ , وَلَا رَيْب أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَال لِلْجَوَازِ بِذَلِكَ بُعْدًا , لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَنَّ عَازِبًا لَوْ اِسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ إِرْسَال اِبْنه لَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ التَّحْدِيث , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ ) لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته وَلَا عَلَى تَسْمِيَة صَاحِب الْغَنَم , إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود شَيْء تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الرَّاعِي , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَاصِم , عَنْ زِرّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : " كُنْت أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط , فَمَرَّ بِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر فَقَالَ : يَا غُلَام هَلْ مِنْ لَبَن ؟ قُلْت : نَعَمْ , وَلَكِنِّي مُؤْتَمَن " الْحَدِيث وَهَذَا لَا يَصْلُح أَنْ يُفَسَّر بِهِ الرَّاعِي فِي حَدِيث الْبَرَاء لِأَنَّ ذَاكَ قِيلَ لَهُ : " هَلْ أَنْتَ حَالِب ؟ فَقَالَ : نَعَمْ " وَهَذَا أَشَارَ بِأَنَّهُ غَيْر حَالِب , وَذَاكَ حَلَبَ مِنْ شَاة حَافِل وَهَذَا مِنْ شَاة لَمْ تُطْرَق وَلَمْ تَحْمِل , ثُمَّ إِنَّ فِي بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّته كَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة لِقَوْلِهِ فِيهِ : " ثُمَّ أَتَيْته بَعْد هَذَا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْل " فَإِنَّ هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْل إِسْلَام اِبْن مَسْعُود , وَإِسْلَام اِبْن مَسْعُود كَانَ قَدِيمًا قَبْل الْهِجْرَة بِزَمَانٍ , فَبَطَلَ أَنْ يَكُون هُوَ صَاحِب الْقِصَّة فِي الْهِجْرَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيت ) وَقَعَ فِي رِوَايَة أَوْس عَنْ خَدِيج عَنْ أَبِي إِسْحَاق " قَالَ أَبُو إِسْحَاق فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاَللَّه مَا سَمِعْتهَا مِنْ غَيْره " كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْله : " حَتَّى رَضِيت " فَإِنَّهَا مُشْعِرَة بِأَنَّهُ أَمْعَنَ فِي الشُّرْب , وَعَادَته الْمَأْلُوفَة كَانَتْ عَدَم الْإِمْعَان. قَوْله : ( قَدْ آنَ الرَّحِيل يَا رَسُول اللَّه ) أَيْ دَخَلَ وَقْته , وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ ؟ قُلْت : بَلَى " فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فَسَأَلَ , فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر : بَلَى , ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " قَدْ آنَ الرَّحِيل " قَالَ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة : إِنَّمَا شَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَبَن تِلْكَ الْغَنَم لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي زَمَن الْمُكَارَمَة , وَلَا يُعَارِضهُ حَدِيثه " لَا يَحْلُبَن أَحَد مَاشِيَة أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ " لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن التَّشَاحّ , أَوْ الثَّانِي مَحْمُول عَلَى التَّسَوُّر وَالِاخْتِلَاس وَالْأَوَّل لَمْ يَقَع فِيهِ ذَلِكَ بَلْ قَدَّمَ أَبُو بَكْر سُؤَال الرَّاعِي هَلْ أَنْتَ حَالِب ؟ فَقَالَ : نَعَمْ , كَأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ أَذِنَ لَك صَاحِب الْغَنَم فِي حَلَبهَا لِمَنْ يَرِد عَلَيْك ؟ فَقَالَ : نَعَمْ أَوْ جَرَى عَلَى الْعَادَة الْمَأْلُوفَة لِلْعَرَبِ فِي إِبَاحَة ذَلِكَ وَالْإِذْن فِي الْحَلْب عَلَى الْمَارّ وَلِابْنِ السَّبِيل , فَكَانَ كُلّ رَاعٍ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : إِنَّمَا شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اِبْن سَبِيل وَلَهُ شُرْب ذَلِكَ إِذَا اِحْتَاجَ , وَلَا سِيَّمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا اِسْتَجَازَهُ لِأَنَّهُ مَال الْحَرْبِيّ , لِأَنَّ الْقِتَال لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْد وَلَا أُبِيحَتْ الْغَنَائِم. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي آخِر اللُّقَطَة , وَفِيهَا الْكَلَام عَلَى إِبَاحَة ذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ مُطْلَقًا. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : خِدْمَة التَّابِع الْحُرّ لِلْمَتْبُوعِ فِي يَقِظَته وَالذَّبّ عَنْهُ عِنْد نَوْمه , وَشِدَّة مَحَبَّة أَبِي بَكْر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدَبه مَعَهُ وَإِيثَاره لَهُ عَلَى نَفْسه , وَفِيهِ أَدَب الْأَكْل وَالشُّرْب وَاسْتِحْبَاب التَّنْظِيف لِمَا يُؤْكَل وَيُشْرَب , وَفِيهِ اِسْتِصْحَاب آلَة السَّفَر كَالْإِدَاوَةِ وَالسُّفْرَة وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي التَّوَكُّل , وَسَتَأْتِي قِصَّة سُرَاقَة فِي الْهِجْرَة مُسْتَوْفَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَوْرَدَهَا هُنَا مُخْتَصَرَة جِدًّا وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَتَمّ ( تَنْبِيه ) : أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي آخِره " وَمَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَة لَيْلًا , فَتَنَازَعَهُ الْقَوْم أَيّهمْ يَنْزِل عَلَيْهِ " فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنْ الْفَوَائِد فِي " بَاب الْهِجْرَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ , تَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ ) هُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ ) وَهُوَ تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة فِي " الْمَجَاز " وَثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده , وَالصَّوَاب أَنْ يَثْبُت فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْهِجْرَة فَإِنَّ فِيهِ " وَيَرْعَى عَلَيْهَا عَامِر بْن فُهَيْرَة وَيُرِيحهُمَا عَلَيْهِمَا " فَهَذَا هُوَ مَحَلّ شَرْح هَذِهِ اللَّفْظَة بِخِلَافِ حَدِيث الْبَرَاء فَلَمْ يَجْرِ فِيهِ لِهَذِهِ اللَّفْظَة ذِكْر , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.