💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي جَعْفَر ) فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِح الْآتِيَةِ " حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ ". قَوْله : ( مُزْعَة لَحْم ) مُزْعَة بِضَمِّ الْمِيمِ وَحُكِيَ كَسْرهَا وَسُكُون الزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة أَيْ : قِطْعَة , وَقَالَ اِبْن التِّينِ : ضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ , وَالَّذِي أَحْفَظُهُ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ الضَّمُّ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَأْتِي سَاقِطًا لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا جَاهَ , أَوْ يُعَذَّبُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَحْمُهُ لِمُشَاكَلَةِ الْعُقُوبَةِ فِي مَوَاضِعِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ أَذَلَّ وَجْهه بِالسُّؤَالِ , أَوْ أَنَّهُ يُبْعَثُ وَوَجْهه عَظْم كُلّه فَيَكُونُ ذَلِكَ شِعَاره الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ اِنْتَهَى. وَالْأَوَّلُ صَرْف لِلْحَدِيثِ عَنْ ظَاهِرِهِ , وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيثِ مَسْعُود بْن عَمْرو مَرْفُوعًا " لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنِيٌّ حَتَّى يَخْلُقَ وَجْهَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَجْه " وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنْ الْحُسْنِ شَيْء , لِأَنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ هُوَ بِمَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ. وَمَالَ الْمُهَلَّب إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَإِلَى أَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَإِذَا جَاءَ لَا لَحْمَ بِوَجْهِهِ كَانَتْ أَذِيَّة الشَّمْسِ لَهُ أَكْثَر مِنْ غَيْرِهِ , قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ , وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فَذَلِكَ مُبَاح لَهُ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَة إِيرَادِ هَذَا الطَّرَفِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : لَفْظُ الْحَدِيث دَالٌّ عَلَى ذَمِّ تَكْثِير السُّؤَال , وَالتَّرْجَمَة لِمَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا , وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا ظَاهِر , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ الْقَوَاعِدُ هُوَ السَّائِلَ عَنْ غِنًى وَأَنَّ سُؤَالَ ذِي الْحَاجَةِ مُبَاح نَزَّلَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث عَلَى مَنْ يَسْأَلُ لِيُكْثِرَ مَالَهُ. ( بِآدَم ثُمَّ بِمُوسَى ) هَذَا فِيهِ اِخْتِصَار , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ذَكَرَ مَنْ يَقْصِدُونَهُ بَيْنَ آدَم وَمُوسَى وَبَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا الْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّرْحِ. قَوْله : ( وَزَادَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح ) كَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ , وَسَقَطَ قَوْلُهُ " اِبْن صَالِح " مِنْ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَلِهَذَا جَزَمَ خَلَف وَأَبُو نُعَيْم بِأَنَّهُ اِبْن صَالِح , وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي " الْإِيمَانِ " لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَعَبْد اللَّه بْن صَالِح جَمِيعًا عَنْ اللَّيْثِ , وَسَاقَهُ بِلَفْظِ " عَبْد اللَّه بْن صَالِح " وَقَدْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن صَالِح وَحْدَهُ الْبَزَّار عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ مُطَّلِب بْن شُعَيْب وَابْن مَنْدَهْ فِي " كِتَاب الْإِيمَان " مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن عُثْمَان ثَلَاثَتهمْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح فَذَكَرَهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ " اِسْتَغَاثُوا بِآدَم : فَيَقُولُ لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ " وَتَابَعَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ اللَّيْثِ أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَنْدَهْ أَيْضًا. قَوْله : ( بِحَلْقَةِ الْبَابِ ) أَيْ : بَابِ الْجَنَّةِ , أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَنْ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ هُوَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى الَّتِي اِخْتَصَّ بِهَا وَهِيَ إِرَاحَةُ أَهْلِ الْمَوْقِف مِنْ أَهْوَالِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَالْفَرَاغِ مِنْ حِسَابِهِمْ , وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الْجَمْعِ أَهْل الْحَشْر لِأَنَّهُ يَوْم يُجْمَعُ فِيهِ النَّاسُ كُلّهمْ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْله : ( وَقَالَ مُعَلَّى ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ , وَهُوَ اِبْنُ أَسَد , وَقَدْ وَصَلَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ , وَمِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ , وَآخِر حَدِيثِهِ " مُزْعَة لَحْم " وَفِيهِ قِصَّةٌ لِحَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَعَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَيَّدَهُ الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ " فِي الْمَسْأَلَةِ " أَيْ : فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَدِيثِ دُونَ الزِّيَادَةِ , وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا فِي " مُعْجَمِ أَبِي سَعِيد بْن الْأَعْرَابِيِّ " قَالَ حَدَّثَنَا حَمْدَان بْن عَلِيّ عَنْ مُعَلَّى بْن أَسَدٍ بِهِ , وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ يَخْتَصُّ بِمَنْ أَكْثَرَ السُّؤَالَ لَا مَنْ نَدَرَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز سُؤَالِ غَيْر الْمُسْلِمِ لِأَنَّ لَفْظَ " النَّاسِ " يَعُمُّ قَالَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة , وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اِحْتَاجَ سَأَلَ ذِمِّيًّا لِئَلَّا يُعَاقَبُ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِهِ لَوْ رَدَّهُ.