💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْرِ الْمِسْكِينِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيل مِنْ السُّكُونِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ قَالَ فَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّة الْمَال سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) أَيْ : لَاصِقٍ بِالتُّرَابِ. ) قَوْله : ( الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ ) بِالضَّمِّ فِيهِمَا , وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ " اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ " وَزَادَ فِيهِ " الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ " قَالَ أَهْل اللُّغَةِ الْأَكْلَة بِالضَّمِّ اللُّقْمَة وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّة مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ. قَوْله : ( لَيْسَ لَهُ غِنًى ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ غِنًى يُغْنِيه , وَهَذِهِ صِفَة زَائِدَة عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ , إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْيَسَارِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْنَى بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ , وَكَأَنَّ الْمَعْنَى نَفْيُ الْيَسَار الْمُفِيد بِأَنَّهُ يُغْنِيه مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْيَسَارِ , وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. قَوْله : ( وَيَسْتَحْيِي ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ " وَلَا يَفْطَنُ بِهِ " وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ " لَهُ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ , وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاس " وَهُوَ بِنَصْب يَتَصَدَّقُ وَيَسْأَلُ , وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله " لَيْسَ لَهُ غِنًى " وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَكْثَر مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ , وَلَفْظه هُنَاكَ " إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا " كَذَا وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِهَا , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تُحْمَدُ مَعَ الْعِفَّةِ عَنْ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ , وَحُسْن الْإِرْشَادِ لِوَضْعِ الصَّدَقَةِ , وَأَنْ يَتَحَرَّى وَضْعهَا فِيمَنْ صِفَتُهُ التَّعَفُّف دُونَ الْإِلْحَاحِ , وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ , وَأَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَهُ شَيْء لَكِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ , وَالْفَقِير الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ) فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا , وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُور أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ , وَعَكَسَ آخَرُونَ فَقَالُوا : الْمِسْكِينُ أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ , وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا سَوَاء , وَهَذَا قَوْل اِبْن الْقَاسِم وَأَصْحَاب مَالِك , وَقِيلَ الْفَقِيرُ الَّذِي يَسْأَلُ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ حَكَاهُ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ اِتَّصَفَ بِالتَّعَفُّفِ وَعَدَم الْإِلْحَافِ فِي السُّؤَالِ , وَلَكِنْ قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْي أَصْلِ الْمَسْكَنَة عَنْ الطَّوَافِ , بَلْ هِيَ كَقَوْلِهِ " أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ " الْحَدِيثِ , وَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَيْسَ الْبِرُّ ) الْآيَة , وَكَذَا قَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْر وَاحِد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.