آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ}
آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ أَوْ آخِرُ شَيْءٍ نَزَلَ : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَبُو السَّفَرِ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ الثَّوْرِيُّ وَيُقَالُ ابْنُ يُحْمِدَ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ أَوْ آخِرُ شَيْءٍ أُنْزِلَ ) الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي { يَسْتَفْتُونَك } أَيْ عَنْ مَوَارِيثِ الْكَلَالَةِ وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْكَلَالَةِ وَمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ مِنْ أَبْوَابِ الْفَرَائِضِ. وَالْآيَةُ بِتَمَامِهَا مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا { يَسْتَفْتُونَك } أَيْ يَسْأَلُونَك عَنْ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ يَا مُحَمَّدُ , { قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ } يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُخْبِرُكُمْ عَمَّا سَأَلْتُمْ عَنْهُ , { إِنْ اِمْرُؤُ } مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ { هَلَكَ } أَيْ مَاتَ { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } أَيْ وَلَا وَالِدٌ وَهُوَ الْكَلَالَةُ. قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ : تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَالَةِ اِنْتِفَاءُ الْوَالِدِ بَلْ يَكْفِي وُجُودَ الْكَلَالَةِ اِنْتِفَاءُ الْوَلَدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوَاهَا اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ , وَلَكِنَّ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ : وَقَضَى الصِّدِّيقُ أَنَّهُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَبٌ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَحْجُبُهَا بِالْإِجْمَاعِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , وَلَا وَالِدَ بِالنَّصِّ عِنْدَ التَّأَمُّلِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأُخْتَ لَا يُفْرَضُ لَهَا النِّصْفُ مَعَ الْوَالِدِ بَلْ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَدْ نَقَلَ اِبْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَيِّتِ تَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِقَوْلِهِ : { إِنْ اِمْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ }. قَالَ فَإِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَقَدْ تَرَكَ وَلَدًا فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ , وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالْفَرْضِ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْآخَرُ بِالنَّصِيبِ , بِدَلِيلِ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ , { وَلَهُ أُخْتٌ } أَيْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ , { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أَيْ الْمَيِّتُ , { وَهُوَ ) أَيْ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ , { يَرِثُهَا } أَيْ يَرِثُ جَمِيعَ تَرِكَةِ الْأُخْتِ , { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } أَيْ ذَكَرٌ , يَعْنِي أَنَّ الْأُخْتَ إِذَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ أَخًا مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ الْأَبِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مِيرَاثِ الْأُخْتِ إِذَا اِنْفَرَدَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْأُخْتِ وَلَدٌ , فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ ذَكَرٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ أُنْثَى فَلَهُ مَا فَضَلَ عَنْ نَصِيبِهَا , وَلَوْ كَانَتْ الْأُخْتُ أَوْ الْأَخُ مِنْ أُمٍّ فَفَرْضُهُ السُّدُسُ , { فَإِنْ كَانَتَا } أَيْ الْأُخْتَانِ { اِثْنَتَيْنِ } أَيْ فَصَاعِدًا { فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } أَيْ الْأَخُ { وَإِنْ كَانُوا } أَيْ الْوَرَثَةُ { إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً } أَيْ ذُكُورًا وَنِسَاءً { فَلِلذَّكَرِ } مِنْهُمْ , { مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ } شَرَائِعَ دِينِكُمْ { أَنْ تَضِلُّوا } أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَضِلُّوا { وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وَمِنْهُ الْمِيرَاثُ. تَنْبِيهٌ ] : الْبَرَاءِ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ } إِلَخْوَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْآخِرِيَّةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ مُفِيدَةٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَارِيثِ بِخِلَافِ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ اِبْنُ يُحْمِدُ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ.
آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ}
آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ}
آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْكَلاَلَةِ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } .
دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ فَصَبُّوا عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلاَلَةٌ . فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ . فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ.
مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ فَأُغْمِيَ عَلَىَّ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ}
