💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( عَنْ زَائِدَةَ ) هُوَ اِبْنُ قُدَامَةَ. قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ شَهِدَ ) أَيْ حَضَرَ ( وَذَكَّرَ ) مِنْ التَّذْكِيرِ ( ثُمَّ قَالَ ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ ( أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ ) أَيْ أَعْظَمُ حُرْمَةً كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَحْمَدَ ( فَقَالَ النَّاسُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) قِيلَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ ) أَيْ تَعَرُّضُهَا ( عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ) أَيْ مُحَرَّمٌ لَيْسَ لِبَعْضِكُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِبَعْضٍ فَيُرِيقَ دَمَهُ أَوْ يَسْلُبَ مَالَهُ , أَوْ يَنَالَ مِنْ عِرْضِهِ ( كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ) يَعْنِي تَعَرُّضَ بَعْضِكُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ وَأَمْوَالَهُ وَأَعْرَاضَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ كَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ ( فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ) أَيْ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ ( فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ) أَيْ ذِي الْحِجَّةِ ( أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِتَنِ ( أَلَا ) حَرْفُ التَّنْبِيهِ ( إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ ) أَيْ فِي الدِّينِ ( فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ) أَيْ لَا يَجُوزُ وَلَا يُبَاحُ لَهُ ( إِلَّا مَا أَحَلَّ مِنْ نَفْسِهِ ) أَيْ مَا أَبَاحَ لَهُ أَخُوهُ مِنْ نَفْسِهِ ( وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ) أَيْ كَالشَّيْءِ الْمَوْضُوعِ تَحْتَ الْقَدَمِ , وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ إِبْطَالِهِ ( لَكُمْ رُءُوسُ ) أَيْ أُصُولُ ( أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ ) بِزِيَادَةٍ ( وَلَا تُظْلَمُونَ ) بِنَقْصٍ ( غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ , وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ ( أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ عَنْكُمْ كُلُّهُ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ , وَأَوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٍ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ). وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ مَا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا إِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ , مَعْنَاهُ الزَّائِدُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته إِيضَاحٌ , وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ مَفْهُومٌ مِنْ نَفْسِ لَفْظِ الْحَدِيثِ , لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ فَإِذَا وُضِعَ الرِّبَا فَمَعْنَاهُ وَضْعُ الزِّيَادَةِ , وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ : الرَّدُّ وَالْإِبْطَالُ اِنْتَهَى. ( وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ) أَيْ مَتْرُوكٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ ( وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ ) أَيْ أَضَعُهُ وَأُبْطِلُهُ ( دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ اِبْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْمُحَقِّقُونَ وَالْجُمْهُورُ اِسْمُ هَذَا الِابْنِ إِيَاسُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , وَقِيلَ اِسْمُهُ حَارِثَةُ , وَقِيلَ آدَمُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ تَصْحِيفٌ , وَقِيلَ اِسْمُهُ تَمَّامٌ , وَمِمَّنْ سَمَّاهُ آدَمُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ , وَقِيلَ وَهُوَ وَهْمٌ , وَالصَّوَابُ اِبْنُ رَبِيعَةَ لِأَنَّ رَبِيعَةَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَتَأَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَقَالَ : دَمُ رَبِيعَةَ لِأَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ فَنَسَبُهُ إِلَيْهِ , قَالُوا وَكَانَ هَذَا الِابْنُ الْمَقْتُولُ طِفْلًا صَغِيرًا يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ , فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي سَعْدٍ وَبَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ. قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ اِنْتَهَى ( كَانَ مُسْتَرْضَعًا ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ كَانَ لَهُ ظِئْرٌ تُرْضِعُهُ فِي بَنِي لَيْثٍ ( أَلَا ) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ ( فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) الِاسْتِيصَاءُ : قَبُولُ الْوَصِيَّةِ , أَيْ أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ , أَيْ اُطْلُبُوا الْوَصِيَّةَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِخَيْرٍ أَوْ يَطْلُبُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْإِحْسَانِ فِي حَقِّهِنَّ , وَقِيلَ الِاسْتِيصَاءُ بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ ( فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ) جَمْعُ عَانِيَةٍ , أَيْ أُسَرَاءُ كَالْأُسَرَاءِ , شُبِّهْنَ بِهِنَّ عِنْدَ الرِّجَالِ لِتَحَكُّمِهِنَّ فِيهِنَّ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْعَانِي الْأَسِيرُ , وَكُلُّ مَنْ ذُلَّ وَاسْتَكَانَ وَخَضَعَ , فَقَدْ عَنَا يَعْنُو , أَوْ هُوَ عَانٍ وَالْمَرْأَةُ عَانِيَةٌ وَجَمْعُهَا عَوَانٍ ( لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا ) أَيْ شَيْئًا مِنْ الْمِلْكِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْهِجْرَانِ وَالضَّرْبِ ( غَيْرَ ذَلِكَ ) أَيْ غَيْرَ الِاسْتِيصَاءِ بِهِنَّ الْخَيْرَ ( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) الْفَاحِشَةُ كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي , وَكَثِيرًا مَا تَرِدُ بِمَعْنَى الزِّنَا , وَكُلُّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ فَهِيَ فَاحِشَةٌ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ( فَإِنْ فَعَلْنَ ) أَيْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ( فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ) قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ أَنْ يُوَلِّيَهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمَهَا , وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَعْتَزِلَ عَنْهَا إِلَى فِرَاشٍ آخَرَ ( وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ , قَالَ النَّوَوِيُّ : الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ هُوَ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ الشَّاقُّ , وَمَعْنَاهُ اِضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا لَيْسَ بِشَدِيدٍ وَلَا شَاقٍّ , وَالْبَرَحُ : الْمَشَقَّةُ ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ) أَيْ فِيمَا يُرَادُ مِنْهُنَّ ( فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ) أَيْ فَلَا تَطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ طَرِيقًا إِلَى هِجْرَانِهِنَّ وَضَرْبِهِنَّ ظُلْمًا ( فَلَا يُوطِئْنَ ) بِهَمْزَةٍ أَوْ بِإِبْدَالِهَا مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ " فُرُشَكُمْ " بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ أَوَّلُ " مَنْ تَكْرَهُونَ " مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ مَنْ تَكْرَهُونَهُ رَجُلًا كَانَ أَوْ اِمْرَأَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَأْذَنَّ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ فِي دُخُولِ بُيُوتِكُمْ وَالْجُلُوسِ فِي مَنَازِلِكُمْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا أَوْ اِمْرَأَةً أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِمِ الزَّوْجَةِ , فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ ( وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ ) هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَامٌّ ( أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ ) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ , عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ