💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ) الْأَنْمَاطِيُّ الْبَصْرِيُّ , ثِقَةٌ , رُمِيَ بِالْقَدَرِ , مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ. ( حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ ) الْبَصْرِيُّ مَقْبُولٌ مِنْ الرَّابِعَةِ. قَوْلُهُ : ( مَا حَمَلَكُمْ ) أَيْ مَا الْبَاعِثُ وَالسَّبَبُ لَكُمْ ( أَنْ عَمَدْتُمْ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عَلَى أَنْ قَصَدْتُمْ ( وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي ) . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : يُقَالُ الْمَثَانِي عَلَى كُلِّ سُورَةٍ أَقَلَّ مِنْ الْمِئِينَ , وَمِنْهُ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي اِنْتَهَى. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَثَانِي السُّورَةُ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ الْمِئِينَ وَتَزِيدُ عَلَى الْمُفَصَّلِ كَأَنَّ الْمِئِينَ جُعِلَتْ مَبَادِئَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا مَثَانِيَ ( وَإِلَى بَرَاءَةٌ ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا , وَلَهَا أَسْمَاءُ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ , قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( وَهِيَ مِنْ الْمِئِينَ ) أَيْ ذَوَاتِ مِائَةِ آيَةٍ. قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَوَّلُ الْقُرْآنِ السَّبْعُ الطُّوَلُ , ثُمَّ ذَوَاتُ الْمِئِينَ , أَيْ ذَوَاتُ مِائَةِ آيَةٍ , ثُمَّ الْمَثَانِي , ثُمَّ الْمُفَصَّلُ اِنْتَهَى. وَالْمِئُونَ جَمْعُ الْمِائَةِ , وَأَصْلُ الْمِائَةِ مَأْيٌ كَمَعْيٍ وَالْيَاءُ عِوَضٌ عَنْ الْوَاوِ , وَإِذَا جُمِعَتْ الْمِائَةُ قُلْت مِئُونَ , وَلَوْ قُلْت مِئَاتٌ جَازَ ( فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ ( مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ) تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وَتَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّ الْأَنْفَالَ لَيْسَ مِنْ السَّبْعِ الطَّوَلِ لِقِصَرِهَا عَنْ الْمِئِينَ لِأَنَّهَا سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرَاءَةٌ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ) أَيْ الزَّمَانُ الطَّوِيلُ وَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ , وَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ( وَهُوَ ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( تُنْزَلُ عَلَيْهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ) يَعْنِي مِنْ الْقُرْآنِ ( دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ ) أَيْ الْوَحْيَ , كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمَا ( فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ ( ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ) هَذَا زِيَادَةُ جَوَابٍ تَبَرَّعَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيَاتِ تَوْقِيفِيٌّ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَالنُّصُوصُ الْمُتَرَادِفَةُ. وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّوَرِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ ( وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ ) أَيْ نُزُولًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أَيْ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَيْضًا , وَبَيْنَهُمَا النِّسْبَةُ التَّرْتِيبِيَّةُ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ , فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ( وَكَانَتْ قِصَّتُهَا ) أَيْ الْأَنْفَالِ ( شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ) أَيْ بَرَاءَةٍ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ , وَوَجْهُ كَوْنِ قِصَّتِهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا أَنَّ فِي الْأَنْفَالِ ذِكْرُ الْعُهُودِ , وَفِي بَرَاءَةٍ نَبْذُهَا فَضُمَّتْ إِلَيْهَا ( فَظَنَنْت أَنَّهَا ) أَيْ التَّوْبَةَ ( مِنْهَا ) أَيْ الْأَنْفَالِ , وَكَأَنَّ هَذَا مُسْتَنَدُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ وَابْنُ لَهِيعَةَ , كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ بَرَاءَةٌ مِنْ الْأَنْفَالِ , وَلِهَذَا لَمْ تُكْتَبْ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَهُمَا مَعَ اِشْتِبَاهِ طُرُقِهِمَا , وَرُدَّ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا فِيهَا , وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ : لَمْ تُكْتَبْ الْبَسْمَلَةُ فِي بَرَاءَةٌ لِأَنَّهَا أَمَانٌ وَبَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ. وَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّ أَوَّلَهَا لَمَّا سَقَطَ سَقَطَتْ مَعَهُ الْبَسْمَلَةُ , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ لِطُولِهَا , وَقِيلَ إِنَّهَا ثَابِتَةٌ أَوَّلُهَا فِي مُصْحَفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ , كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ) أَيْ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا ( فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ) أَيْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ تَبَيُّنِنَا وُجُودَ مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا ( قَرَنْت بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أَيْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ; لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفَصْلِ وَلَمْ تَنْزِلْ وَلَمْ أَكْتُبْ وَوَضَعْتهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : دَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُمَا نَزَلَتَا مَنْزِلَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَمُلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ بِهَا , ثُمَّ قِيلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ : هِيَ الْبَقَرَةُ وَبَرَاءَةٌ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ , لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْبَقَرَةُ وَالْأَعْرَافُ وَمَا بَيْنَهُمَا. قَالَ الرَّاوِي : وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتهَا , وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةُ فَإِنَّهَا مِنْ السَّبْعِ الْمَثَانِي , أَوْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي , وَنَزَلَتْ سَبْعَتُهَا مَنْزِلَةَ الْمِئِينَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَنْفَالُ بِانْفِرَادِهَا أَوْ بِانْضِمَامِ مَا بَعْدَهَا إِلَيْهَا. وَصَحَّ عَنْ اِبْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ , وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَمَا بَعْدَهَا مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْمَثَانِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُورَةٌ أَوْ هُمَا سُورَةٌ. ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ , وَقَالَ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.