أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ
" إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ " . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ " الْمُتَكَبِّرُونَ " . قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَهَذَا أَصَحُّ . وَالثَّرْثَارُ هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلاَمِ وَالْمُتَشَدِّقُ الَّذِي يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلاَمِ وَيَبْذُو عَلَيْهِمْ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ ) أَبُو جَعْفَرٍ صَدُوقٌ , مِنْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَبُو حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنْ التَّاسِعَةِ ( حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ أَبُو فَضَالَةَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ يُدَلِّسُ وَيُسَوِّي مِنْ السَّادِسَةِ ( حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنْ الْخَامِسَةِ. قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ ) أَيْ فِي الدُّنْيَا ( أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا ) نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَجَمَعَهُ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ ( وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِكُمْ إِلَيَّ ) أَيْ فِي الدُّنْيَا ( وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ : " وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا الثَّرْثَارُونَ " الْحَدِيثَ. قَالَ الْقَارِي : وَيُرْوَى أَسَاوِيكُمْ جَمْعُ أَسُوءَ كَأَحَاسِنَ جَمْعُ أَحْسَنَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَصْلِ الْمَصَابِيحِ وَقَالَ الْقَاضِي أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ إِذَا أُضِيفَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَصْلَةِ الَّتِي هُوَ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا , جَازَ الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا , وَتَطَابُقُهُ لِمَا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَقَدْ جُمِعَ الْوَجْهَانِ فِي الْحَدِيثِ فَأَفْرَدَ أَحَبَّ وَبَغَضَ وَجَمَعَ أَحَاسِنَ وَأَسَاوِئَ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَسَاوِيكُمْ بَدَلَ مَسَاوِيكُمْ , وَهُوَ جَمْعُ مُسْوِئْ كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مُحْسِنٍ. وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ نُعِتَ بِهِ ثُمَّ جُمِعَ أَوْ اِسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ السُّوءُ , فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَنْعُوتِ بِهِ مَجَازًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَرَادَ بِأَبْغَضِكُمْ بَغِيضَكُمْ وَبِأَحَبِّكُمْ التَّفْضِيلَ فَلَا يَكُونُ الْمُخَاطَبُونَ بِأَجْمَعِهِمْ مُشْتَرَكِينَ فِي الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ. وَقَالَ الْحَاجِبِيُّ تَقْدِيرُهُ أُحِبُّ الْمَحْبُوبِينَ مِنْكُمْ وَأَبْغَضُ الْمَبْغُوضِينَ مِنْكُمْ وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لِلْقَرِينَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : إِذَا جَعَلَ الْخِطَابَ خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَبْغَضُكُمْ لَا يَجُوزُ بَغِيضُكُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ , فَالْقَوْلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْنُ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُوَافِقُ وَالْمُنَافِقُ , فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ , وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَمُسْتَقِيمٌ أَيْضًا , كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الثَّرْثَارُونَ. وَفِي النِّهَايَةِ الثَّرْثَارُونَ هُمْ الَّذِي يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَكَلُّفًا وَخُرُوجًا عَنْ الْحَقِّ , وَالثَّرْثَرَةُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدُهُ ( وَالْمُتَشَدِّقُونَ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمُتَشَدِّقُونَ هُمْ الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ اِحْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ. وَقِيلَ أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئِ بِالنَّاسِ يَلْوِي شَدْقَهُ بِهِمْ وَعَلَيْهِمْ اِنْتَهَى. وَالشَّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ ( وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ) هُمْ الَّذِينَ يَتَوَسَّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَيَفْتَحُونَ بِهِ أَفْوَاهَهُمْ , مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَالِاتِّسَاعُ , كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قِيلَ وَهَذَا مِنْ الْكِبْرِ وَالرُّعُونَةِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : الثَّرْثَارُ بَثَائَيْنِ مُثَلَّثَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفًا , وَالْمُتَشَدِّقُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِمِلْءِ شَدْقِهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ , وَالْمُتَفَيْهِقُ أَصْلُهُ مِنْ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ , وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُتَشَدِّقِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلَأُ فَمَهُ بِالْكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ إِظْهَارًا لِفَصَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ وَاسْتِعْلَاءً عَلَى غَيْرِهِ. وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُتَكَبِّرِ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ , وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ , بِالنَّمِيمَةِ. الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ , الْمُلْتَمِسُونَ , لِلْبَرَاءِ الْعَيْبَ ". كَذَا فِي التَّرْغِيبِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ. قَوْلُهُ : ( وَالْمُتَشَدِّقُ هُوَ الَّذِي يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلَامِ وَيَبْذُو عَلَيْهِمْ ) كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَتَفْسِيرُهُ الْمَشْهُورُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ. ( وَهَذَا أَصَحُّ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ : رَوَى عَنْ اِبْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا اِنْتَهَى. فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُبَارَكَ بْنَ فَضَالَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَوَّلًا عَنْ اِبْنِ الْمُنْكَدِرِ بِوَاسِطَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ , ثُمَّ لَقِيَهُ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.
أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ
إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي فِي الْآخِرَةِ مَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي فِي الْآخِرَةِ مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ
أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ فَقَالَ هُمْ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا
يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الصَّغَارِ حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَجْلِسٍ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُهَا قَالَ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا
