💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبَايَةَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ , وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ الْأَنْصَارِيِّ الزُّرَقِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ( اِبْنِ رِفَاعَةَ ) بِكَسْرِ رَاءٍ وَخِفَّةِ فَاءٍ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ثِقَةٌ ( بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) الْأَنْصَارِيِّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ , أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ ( فَنَدَّ بَعِيرٌ ) أَيْ هَرَبَ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ( وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ ) أَيْ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ ( فَحَبَسَهُ اللَّهُ ) أَيْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَفَ ( إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ ( أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْأَوَابِدُ جَمْعُ آبِدَةٍ , وَهِيَ الَّتِي قَدْ تَأَبَّدَتْ , أَيْ تَوَحَّشَتْ وَنَفَرَتْ مِنْ الْإِنْسِ اِنْتَهَى. وَالْمُرَادُ أَنَّ لَهَا تَوَحُّشًا , وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ ( فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا ) أَيْ فَأَيُّ بَهِيمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ تَهْرُبُ وَتَنْفِرُ , ( فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا ) أَيْ فَارْمُوهُ بِسَهْمٍ وَنَحْوِهِ. وَالْمَعْنَى مَا نَفَرَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مِنْ الْإِبِلِ , وَالْبَقَرِ , وَالْغَنَمِ , وَالدَّجَاجِ , كَالصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ فِي حُكْمِ الذَّبْحِ , فَإِنَّ ذَكَاتَهُ اِضْطِرَارِيَّةٌ , فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَحَلُّ الذَّبْحِ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ إِذَا تَوَحَّشَ , وَنَفَرَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَطْعِ مَذْبَحِهِ يَصِيرُ جَمِيعُ بَدَنِهِ فِي حُكْمِ الْمَذْبَحِ , كَالصَّيْدِ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ مَنْكُوسًا فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَطْعِ حُلْقُومِهِ فَطُعِنَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ فَمَاتَ كَانَ حَلَالًا اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَصَحُّ ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ. قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدْ نَقَلَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْجُمْهُورِ , وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ , وَنَقَلَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَرَبِيعَةَ فَقَالُوا : لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْإِنْسِيِّ أَوْ الْوَحْشِ إِلَّا بِتَذْكِيَتِهِ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَبَّتِهِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رَافِعٍ اِنْتَهَى. قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الصَّوَابُ وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ غَضْبَانَ عَنْ يَزِيدَ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَعْرَسَ رَجُلٌ مِنْ الْحَيِّ فَاشْتَرَى جُذُورًا فَنَدَّتْ فَعَرْقَبَهَا وَذَكَرَ اِسْمَ اللَّهِ فَأَمَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي اِبْنَ مَسْعُودٍ أَنْ يَأْكُلُوا. فَمَا طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ حَتَّى جَعَلُوا لَهُ مِنْهَا بَضْعَةً , ثُمَّ أَتَوْهُ بِهَا فَأَكَلَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا وَقَعَ الْبَعِيرُ فِي الْبِئْرِ فَاطْعَنْهُ مِنْ قِبَلِ خَاصِرَتِهِ , وَاذْكُرْ اِسْمَ اللَّهِ وَكُلْ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَاشِدٍ السَّلْمَانِيِّ قَالَ : كُنْت أَرْعَى مَنَائِحَ لِأَهْلِي بِظَهْرِ الْكُوفَةِ فَتَرَدَّى مِنْهَا بَعِيرٌ فَخَشِيت أَنْ يَسْبِقَنِي بِذَكَاتِهِ , فَأَخَذْت حَدِيدَةً فَوَجَأْت بِهَا فِي جَنْبِهِ أَوْ سَنَامِهِ ثُمَّ قَطَّعْته أَعْضَاءً وَفَرَّقْته عَلَى أَهْلِي , فَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوهُ , فَأَتَيْت عَلِيًّا فَقُمْت عَلَى بَابِ قَصْرِهِ , فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : يَا لَبِيكَاهُ يَا لَبِيكَاهُ , فَأَخْبَرْته خَبَرَهُ. فَقَالَ : كُلْ وَأَطْعِمْنِي وَأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبَايَةَ بِلَفْظِ : تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي رَكِيَّةٍ فَنَزَلَ رَجُلٌ لِيَنْحَرَهُ. فَقَالَ : لَا أَقْدِرُ عَلَى نَحْرِهِ , فَقَالَ لَهُ اِبْنُ عُمَرَ : اُذْكُرْ اِسْمَ اللَّهِ. ثُمَّ اُقْتُلْ شَاكِلَتَهُ , يَعْنِي خَاصِرَتَهُ. فَفَعَلَ , فَأُخْرِجَ مُقَطَّعًا , فَأَخَذَ مِنْهُ اِبْنُ عُمَرَ عَشِيرًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ. قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِلَفْظِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِثْلَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ , وَهُوَ الصَّوَابُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ نَحْوُ رِوَايَةِ سُفْيَانَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَمَا رَوَى سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ , كَذَلِكَ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ , وَلَمْ يَذْكُرَا بَيْنَ عَبَايَةَ وَرِفَاعَةَ وَاسِطَةَ وَالِدِ عَبَايَةَ , وَلِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ.