" لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا " .
" الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا " . قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَزْوِيجِ الْيَتِيمَةِ فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا زُوِّجَتْ فَالنِّكَاحُ مَوْقُوفٌ حَتَّى تَبْلُغَ فَإِذَا بَلَغَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ . وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ الْيَتِيمَةِ حَتَّى تَبْلُغَ . وَلاَ يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ . وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِذَا بَلَغَتِ الْيَتِيمَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَزُوِّجَتْ فَرَضِيَتْ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلاَ خِيَارَ لَهَا إِذَا أَدْرَكَتْ . وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ . وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ .
قَوْلُهُ : ( الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ ) الْيَتِيمَةُ هِيَ : صَغِيرَةٌ لَا أَب لَهَا , وَالْمُرَادُ هُنَا : الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ , سَمَّاهَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } وَفَائِدَةُ التَّسْمِيَةِ : مُرَاعَاةُ حَقِّهَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهَا فِي تَحَرِّي الْكِفَايَةِ وَالصَّلَاحِ ; فَإِنَّ الْيَتِيمَ مَظِنَّةُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ. ثُمَّ هِيَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا مَعْنَى لِإِذْنِهَا , وَلَا لِإِبَائِهَا. فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَطَ بُلُوغَهَا ; فَمَعْنَاهُ : لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَبْلُغَ فَتُسْتَأْمَرَ. قَالَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ. ( فَإِنْ صَمَتَتْ ) أَيْ سَكَتَتْ ( فَهُوَ ) أَيْ صُمَاتُهَا ( وَإِنْ أَبَتْ ) مِنْ الْإِبَاءِ , أَيْ أَنْكَرَتْ وَلَمْ تَرْضَ ( فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا ) بِفَتْحِ الْجِيمِ , أَيْ فَلَا تَعَدِّيَ عَلَيْهَا وَلَا إِجْبَارَ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : " تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا , فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ , وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ ". وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَأَبُو يَعْلَى وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : وَرِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ ( وَابْنِ عُمَرَ ) قَالَ : " تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ , وَتَرَكَ اِبْنَةً لَهُ مِنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ. وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَهُمَا خَالَايَ. - فَخَطَبْت إِلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ اِبْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ , فَزَوَّجَنِيهَا. وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ( يَعْنِي : إِلَى أُمِّهَا ) فَأَرْغَبهَا فِي الْمَالِ : فَحَطَّتْ إِلَيْهِ , فَحَطَّتْ الْجَارِيَةُ إِلَى هَوَى أُمِّهَا ; فَأَبَتَا حَتَّى اِرْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ. اِبْنَةُ أَخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيَّ , فَزَوَّجْتهَا اِبْنَ عَمَّتِهَا , فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا فِي الصَّلَاحِ وَلَا فِي الْكَفَاءَةِ ( وَلَكِنَّهَا اِمْرَأَةٌ , وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلَى هَوَى أُمِّهَا. قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هِيَ يَتِيمَةٌ , وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا ". قَالَ : فَانْتُزِعَتْ - وَاَللَّهِ - مِنِّي بَعْدَ أَنْ مَلَكْتهَا , فَزَوَّجُوهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ لَا يُجْبِرُهَا وَصِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ. اِنْتَهَى قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا اِبْنَ مَاجَهْ ; وَقَالَ فِي النَّيْلِ : وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. قَوْلُهُ : ( فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا زُوِّجَتْ فَالنِّكَاحُ مَوْقُوفٌ حَتَّى تَبْلُغَ , فَإِذَا بَلَغَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ ) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ بُلُوغِهَا , قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَزْوِيجِ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ الَّتِي دُونَ الْبُلُوغِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ ( الْيَتِيمَةِ ) مَنْ كَانَتْ دُونَ الْبُلُوغِ وَلَا أَب لَهَا ; وَقَدْ أَذِنَ فِي تَزْوِيجِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبْخَسَ مِنْ صَدَاقِهَا. فَيَحْتَاجُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ. اِنْتَهَى. ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْيَتِيمَةِ حَتَّى تَبْلُغَ , وَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ ; قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى بَنَاتِ الْمُوصِي , وَإِنْ فَوَّضَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : لِلْوَصِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ الْيَتِيمَةَ قَبْلَ الْبُلُوغِ ; وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ : أَنَّهُ أَجَازَ نِكَاحَ الْوَصِيِّ مَعَ كَرَاهَةِ الْأَوْلِيَاءِ. وَأَجَازَ مَالِكٌ : إِنْ فَوَّضَهُ الْأَبُ إِلَيْهِ اِنْتَهَى. ( وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : إِذَا بَلَغَتْ الْيَتِيمَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَزُوِّجَتْ فَرَضِيَتْ , فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَا خِيَارَ لَهَا إِذَا أَدْرَكَتْ ) أَيْ إِذَا بَلَغَتْ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ ; وَأَمَّا اِحْتِجَاجُهُمَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ " فَفِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. ( قَالَتْ عَائِشَةُ : إِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ اِمْرَأَةٌ ) كَأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ : أَنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ الْبَالِغَةِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا حِينَئِذٍ مَا يُعْرَفُ بِهِ نَفْعُهَا وَضَرَرُهَا : مِنْ الشُّعُورِ وَالتَّمْيِيزِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
" لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا " .
لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا
الْأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا
" الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا " .
الْأَيِّمُ أَمْلَكُ بِأَمْرِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَصُمَاتُهَا إِقْرَارُهَا
