💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( يَنْتَقِد ثَمَنه ) أَيْ يَسْتَوْفِيه , وَيُقَال : سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى. وَقَائِم الظَّهِيرَة نِصْف النَّهَار , وَهُوَ حَال اِسْتِوَاء الشَّمْس , سُمِّيَ قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلّ لَا يَظْهَر , فَكَأَنَّهُ وَاقِف قَائِم. وَوَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( قَائِم الظُّهْر ) بِضَمِّ الظَّاء وَحَذْف الْيَاء. قَوْله : ( رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَة ) أَيْ ظَهَرَتْ لِأَبْصَارِنَا. قَوْله : ( فَبَسَطْت عَلَيْهِ فَرْوَة ) الْمُرَاد الْفَرْوَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تُلْبَس , هَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْفَرْوَةِ هُنَا الْحَشِيش ; فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ فَرْوَة , وَهَذَا قَوْل بَاطِل , وَمِمَّا يَرُدّهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( فَرْوَة مَعِي ). وَيُقَال لَهَا ( فَرْوَة ) بِالْهَاءِ , وَ ( فَرْو ) بِحَذْفِهَا , وَهُوَ الْأَشْهَر فِي اللُّغَة , وَإِنْ كَانَتَا صَحِيحَتَيْنِ. قَوْله : ( أَنْفُض لَك مَا حَوْلك ) أَيْ أُفَتِّش لِئَلَّا يَكُون هُنَاكَ عَدُوّ. وَقَوْله : ( لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَام ؟ فَقَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ) الْمُرَاد بِالْمَدِينَةِ هُنَا مَكَّة , وَلَمْ تَكُنْ مَدِينَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُمِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ , إِنَّمَا كَانَ اِسْمهَا يَثْرِب , هَذَا هُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح , وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي : إِنَّ ذِكْر الْمَدِينَة هُنَا وَهْم فَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ هُوَ صَحِيح , وَالْمُرَاد بِهَا مَكَّة. قَوْله : ( أَفِي غَنَمك لَبَن ؟ ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّام وَالْبَاء يَعْنِي اللَّبَن الْمَعْرُوف , هَذِهِ الرِّوَايَة مَشْهُورَة , وَرَوَى بَعْضهمْ : ( لُبْن ) بِضَمِّ اللَّام وَإِسْكَان الْبَاء , أَيْ شِيَاه وَذَوَات أَلْبَان. قَوْله : ( فَحَلَبَ لِي فِي قَعْب مَعَهُ كُثْبَة مِنْ لَبَن. قَالَ : وَمَعِي إِدَاوَة أَرْتَوِي فِيهَا ) الْقَعْب قَدَح مِنْ خَشَب مَعْرُوف , وَالْكُثْبَة بِضَمِّ الْكَاف وَإِسْكَان الْمُثَلَّثَة وَهِيَ قَدْر الْحَلْبَة , قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت , وَقِيلَ : هِيَ الْقَلِيل مِنْهُ. وَالْإِدَاوَة كَالرَّكْوَةِ. وَأَرْتَوِي أَسْتَقِي. وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْأَل عَنْهُ فَيُقَال : كَيْف شَرِبُوا اللَّبَن مِنْ الْغُلَام , وَلَيْسَ هُوَ مَالِكه ؟ وَجَوَابه مِنْ أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى عَادَة الْعَرَب أَنَّهُمْ يَأْذَنُونَ لِلرُّعَاةِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ ضَيْف أَوْ عَابِر سَبِيل أَنْ يَسْقُوهُ اللَّبَن وَنَحْوه. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لِصَدِيقٍ لَهُمْ يَدِلُّونَ عَلَيْهِ , وَهَذَا جَائِز. وَالثَّالِث أَنَّهُ مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ , وَمِثْل هَذَا جَائِز. وَالرَّابِع لَعَلَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ , وَالْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ أَجْوَد. قَوْله : ( بَرَدَ أَسْفَلُهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ بِضَمِّهَا. قَوْله : ( وَنَحْنُ فِي جَلَد مِنْ الْأَرْض ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَاللَّام أَيْ أَرْض صُلْبَة. وَرُوِيَ : ( جُدُد ) بِدَالَيْنِ , وَهُوَ الْمُسْتَوِي , وَكَانَتْ الْأَرْض مُسْتَوِيَة صُلْبَة. قَوْله : ( فَارْتَطَمَتْ فَرَسه إِلَى بَطْنهَا ) أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمهَا فِي تِلْك الْأَرْض الْجَلَد. قَوْله : ( وَوَفَى لَنَا ) بِتَخْفِيفِ الْفَاء. قَوْله : ( فَسَاخَ فَرَسه فِي الْأَرْض ) هُوَ بِمَعْنَى اِرْتَطَمَتْ. قَوْله : ( لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي ) يَعْنِي لَأُخْفِيَنَّ أَمْركُمْ عَمَّنْ وَرَائِي مِمَّنْ يَطْلُبكُمْ , وَأُلَبِّسهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يَعْلَم أَحَد. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا هَذِهِ الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ وُجُوه. وَفِيهِ خِدْمَة التَّابِع لِلْمَتْبُوعِ. وَفِيهِ : اِسْتِصْحَاب الرَّكْوَة وَالْإِبْرِيق وَنَحْوهمَا فِي السَّفَر لِلطَّهَارَةِ وَالشَّرَاب. وَفِيهِ فَضْل التَّوَكُّل عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَحُسْن عَاقِبَته. وَفِيهِ فَضَائِل الْأَنْصَار لِفَرَحِهِمْ بِقُدُومِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظُهُور سُرُورهمْ بِهِ. وَفِيهِ فَضِيلَة صِلَة الْأَرْحَام , سَوَاء قَرُبَتْ الْقَرَابَة وَالرَّحِم أَمْ بَعُدَتْ , وَأَنَّ الرَّجُل الْجَلِيل إِذَا قَدِمَ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَقَارِب يَنْزِل عِنْدهمْ يُكْرِمهُمْ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.