💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( رَأَيْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَلَى عَقَبَة الْمَدِينَة , فَجَعَلَتْ قُرَيْش تَمُرّ عَلَيْهِ , وَالنَّاس , حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك أَبَا خُبَيْب ). قَوْله : ( عَقَبَة الْمَدِينَة ) هِيَ عَقَبَة بِمَكَّة , ( وَأَبُو خُبَيْب ) بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة كُنْيَة اِبْن الزُّبَيْر , كُنِّيَ بِابْنِهِ خُبَيْب , وَكَانَ أَكْبَر أَوْلَاده , وَلَهُ ثَلَاث كُنًى ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَآخَرُونَ : أَبُو خُبَيْب , وَأَبُو بَكْر , وَأَبُو بُكَيْرٍ. فِيهِ اِسْتِحْبَاب السَّلَام عَلَى الْمَيِّت فِي قَبْره وَغَيْره , تَكْرِير السَّلَام ثَلَاثًا كَمَا كَرَّرَ اِبْن عُمَر. وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى الْمَوْتَى بِجَمِيلِ صِفَاتهمْ الْمَعْرُوفَة. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِابْنِ عُمَر لِقَوْلِهِ بِالْحَقِّ فِي الْمَلَأ , وَعَدَم اِكْتِرَاثه بِالْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَم أَنَّهُ يَبْلُغهُ مَقَامه عَلَيْهِ , وَقَوْله , وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُول الْحَقّ , يَشْهَد لِابْنِ الزُّبَيْر بِمَا يَعْلَمهُ فِيهِ مِنْ الْخَيْر , وَبُطْلَان مَا أَشَاعَ عَنْهُ الْحَجَّاج مِنْ قَوْله : إِنَّهُ عَدُوّ اللَّه , وَظَالِم , وَنَحْوه , فَأَرَادَ اِبْن عُمَر بَرَاءَة اِبْن الزُّبَيْر مِنْ ذَلِكَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيْهِ الْحَجَّاج , وَأَعْلَم النَّاس بِمَحَاسِنِهِ , وَأَنَّهُ ضِدّ مَا قَالَهُ الْحَجَّاج. وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر كَانَ مَظْلُومًا , وَأَنَّ الْحَجَّاج وَرُفْقَته كَانُوا خَوَارِج عَلَيْهِ. قَوْله : ( لَقَدْ كُنْت أَنْهَاك عَنْ هَذَا ) أَيْ عَنْ الْمُنَازَعَة الطَّوِيلَة. قَوْله فِي وَصْفه : ( وَصُولًا لِلرَّحِمِ ) قَالَ الْقَاضِي : هُوَ أَصَحّ مَنْ قَوْل بَعْض الْإِخْبَارِيِّينَ , وَوَصَفَهُ بِالْإِمْسَاكِ , وَقَدْ عَدَّهُ صَاحِب كِتَاب الْأَجْوَد فِيهِمْ , وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ أَحْوَاله. قَوْله : ( وَاَللَّه لَأُمَّة أَنْتَ شَرّهَا أُمَّة خَيْر ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ نُسَخِنَا : ( لَأُمَّة خَيْر ) , وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُور رُوَاة صَحِيح مُسْلِم , وَفِي أَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا : ( لَأُمَّة سُوء ) , وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ قَالَ : وَهُوَ خَطَأ وَتَصْحِيف. قَوْله : ( ثُمَّ نَفَذَ اِبْن عُمَر ) أَيْ اِنْصَرَفَ. قَوْله : ( يَسْحَبك بِقُرُونِك ) أَيْ يَجُرّك بِضَفَائِر شَعْرك. قَوْله : ( أَرُونِي سِبْتَيّ ) بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد آخِره , وَهِيَ النَّعْل الَّتِي لَا شَعْر عَلَيْهَا. قَوْله : ( ثُمَّ اِنْطَلَقَ يَتَوَذَّف ) هُوَ بِالْوَاوِ وَالذَّال الْمُعْجَمَة وَالْفَاء. قَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ يُسْرِع , وَقَالَ أَبُو عُمَر : مَعْنَاهُ يَتَبَخْتَر. قَوْله : ( ذَات النِّطَاقَيْنِ ) هُوَ بِكَسْرِ النُّون. قَالَ الْعُلَمَاء : النِّطَاق أَنْ تَلْبَس الْمَرْأَة ثَوْبهَا , ثُمَّ تَشُدّ وَسَطهَا بِشَيْءٍ , وَتَرْفَع وَسَط ثَوْبهَا وَتُرْسِلهُ عَلَى الْأَسْفَل , تَفْعَل ذَلِكَ عِنْد مُعَانَاة الْأَشْغَال لِئَلَّا تَعْثِر فِي ذَيْلهَا. قِيلَ : سُمِّيَتْ أَسْمَاء ذَات النِّطَاقَيْنِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُطَارِف نِطَاقًا فَوْق نِطَاق , وَالْأَصَحّ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا شَقَّتْ نِطَاقهَا الْوَاحِد نِصْفَيْنِ , فَجَعَلَتْ أَحَدهمَا نِطَاقًا صَغِيرًا , وَاكْتَفَتْ بِهِ , وَالْآخَر لِسُفْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث هُنَا , وَفِي الْبُخَارِيّ , وَلَفْظ الْبُخَارِيّ أَوْضَح مِنْ لَفْظ مُسْلِم. قَوْلهَا لِلْحَجَّاجِ : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيف كَذَّابًا وَمُبِيرًا , فَأَمَّا الْكَذَّاب فَرَأَيْنَاهُ , وَأَمَّا الْمُبِير فَلَا إِخَالُك إِلَّا إِيَّاهُ ) أَمَّا ( إِخَالُك ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرهَا , وَهُوَ أَشْهَر , وَمَعْنَاهُ أَظُنّك. وَالْمُبِير الْمُهْلِك. وَقَوْلهَا فِي الْكَذَّاب : ( فَرَأَيْنَاهُ ) تَعْنِي بِهِ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد الثَّقَفِيّ , كَانَ شَدِيد الْكَذِب , وَمِنْ أَقْبَحه اِدَّعَى أَنَّ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيه. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذَّابِ هُنَا الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد , وَبِالْمُبِيرِ الْحَجَّاج بْن يُوسُف. وَاَللَّه أَعْلَم.