💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( كَذَبَ نَوْفٌ ) هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّ الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء خِلَاف مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا , خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ , وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْإِيمَان. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة فَعُمِّيَ عَلَيْهِ ) وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمِيم , وَفِي بَعْضهَا بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم , وَفِي بَعْضهَا بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْل الْكَوَّة ) بِفَتْحِ الْكَاف , وَيُقَال : بِضَمِّهَا وَهِيَ الطَّاق كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى. قَوْله : ( مُسْتَلْقِيًا عَلَى حُلَاوَة الْقَفَا ) هِيَ وَسَط الْقَفَا , وَمَعْنَاهُ لَمْ يَمِلْ إِلَى أَحَد جَانِبَيْهِ , وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا , أَفْصَحهَا الضَّمّ , وَمِمَّنْ حَكَى الْكَسْر صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب , وَيُقَالُ أَيْضًا ( حَلَاوَة ) بِالْفَتْحِ , ( وَحُلَاوَى ) بِالضَّمِّ وَالْقَصْر , ( وَحَلْوَاء ) بِالْمَدِّ. قَوْله : ( مَجِيء مَا جَاءَ بِك ) قَالَ الْقَاضِي : ضَبَطْنَاهُ مَجِيء مَرْفُوع غَيْر مَنُون عَنْ بَعْضهمْ , وَعَنْ بَعْضهمْ مَنُونًا. قَالَ : وَهُوَ أَظْهَر , أَيُّ أَمْرٍ عَظِيم جَاءَ بِك. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِنْتَحَى عَلَيْهَا ) أَيْ اِعْتَمَدَ عَلَى السَّفِينَة , وَقَصَدَ خَرْقَهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاء عَلَى النَّظَر فِي الْمَصَالِح عِنْد تَعَارُض الْأُمُور , وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَتَانِ دُفِعَ أَعْظَمُهُمَا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا , كَمَا خَرَقَ السَّفِينَة لِدَفْعِ غَصْبِهَا وَذَهَاب جُمْلَتهَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدهمْ بَادِيَ الرَّأْي فَقَتَلَهُ ) بَادِئ بِالْهَمْزِ وَتَرْكه. فَمَنْ هَمَزَهُ مَعْنَاهُ أَوَّل الرَّأْي وَابْتِدَاؤُهُ أَيْ اِنْطَلَقَ إِلَيْهِ مُسَارِعًا إِلَى قَتْله مِنْ غَيْر فِكْر. وَمَنْ لَمْ يَهْمِز فَمَعْنَاهُ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فِي قَتْله مِنْ الْبَدْء , وَهُوَ ظُهُور رَأْي لَمْ يَكُنْ. قَالَ الْقَاضِي وَيُمَدُّ الْبَدْء وَيُقْصَرُ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى قَالَ : وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفْسِهِ " رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا ) قَالَ أَصْحَابنَا : فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِبْتِدَاء الْإِنْسَان بِنَفْسِهِ فِي الدُّعَاء وَشِبْهه مِنْ أُمُور الْأَخِرَة , وَأَمَّا حُظُوظ الدُّنْيَا فَالْأَدَب فِيهَا الْإِيثَار وَتَقْدِيم غَيْره عَلَى نَفْسه. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الِابْتِدَاء فِي عِنْوَان الْكِتَاب , فَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَف وَجَاءَ بِهِ الصَّحِيح أَنَّهُ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ , فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ , فَيُقَالُ : مِنْ فُلَان إِلَى فُلَان , وَمِنْهُ حَدِيث كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ مُحَمَّد عَبْد اللَّه وَرَسُوله إِلَى هِرَقْل عَظِيم الرُّوم " وَقَالَتْ طَائِفَة : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ , فَيَقُول : إِلَى فُلَان مِنْ فُلَان قَالُوا : إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ الْأَمِيرُ إِلَى مَنْ دُونه , أَوْ السَّيِّد إِلَى عَبْده , أَوْ الْوَالِد إِلَى وَلَده وَنَحْو هَذَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنْ أَخَذْته مِنْ صَاحِبه ذَمَامَة ) هِيَ بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ اِسْتِحْيَاءً لِتَكْرَارِ مُخَالَفَته , وَقِيلَ : مَلَامَة , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور. قَوْله : ( وَأَمَّا الْغُلَام فَطُبِعَ يَوْم طُبِعَ كَافِرًا ) قَالَ الْقَاضِي : فِي هَذَا حُجَّة بَيِّنَة لِأَهْلِ السُّنَّة لِصِحَّةِ أَصْل مَذْهَبهمْ فِي الطَّبْع وَالرَّيْن وَالْأَكِنَّة وَالْأَغْشِيَة وَالْحُجُب وَالسَّدّ , وَأَشْبَاه هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الشَّرْع فِي أَفْعَال اللَّه تَعَالَى بِقُلُوبِ أَهْل الْكُفْر وَالضَّلَال , وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدهمْ خَلَقَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا ضِدّ الْإِيمَان , وَضِدّ الْهُدَى , وَهَذَا عَلَى أَصْل أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْعَبْد لَا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا مَا أَرَادَهُ اللَّه تَعَالَى , وَيَسَّرَهُ لَهُ , وَخَلَقَهُ لَهُ , خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا مِنْ قِبَلِ نَفْسه , وَقُدْرَة عَلَى الْهُدَى وَالضَّلَال , وَالْخَيْر وَالشَّرّ , وَالْإِيمَان وَالْكُفْر , وَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظ نِسْبَة اللَّه تَعَالَى لِأَصْحَابِهَا وَحُكْمه عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ , وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ : مَعْنَاهَا خَلَقَهُ عَلَامَة لِذَلِكَ فِي قُلُوبهمْ. وَالْحَقّ الَّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ , لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ , وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الذَّرّ : " هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي , وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ , وَلَا أُبَالِي " فَاَلَّذِينَ قَضَى لَهُمْ بِالنَّارِ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ , وَخَتَمَ عَلَيْهَا , وَغَشَّاهَا , وَأَكَنَّهَا , وَجَعَلَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهَا سَدًّا , وَمِنْ خَلْفهَا سَدًّا وَحِجَابًا مَسْتُورًا , وَجَعَلَ فِي آذَانهمْ وَقْرًا , وَفِي قُلُوبهمْ مَرَضًا لِتَتِمّ سَابِقَته فِيهِمْ , وَتَمْضِي كَلِمَته , لَا رَادّ لِحُكْمِهِ , وَلَا مُعَقِّب لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ يَقُول : أَطْفَال الْكُفَّار فِي النَّار , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَأَنَّ فِيهِمْ ثَلَاثَة مَذَاهِب : الصَّحِيح أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة , وَالثَّانِي فِي النَّار , وَالثَّالِث يَتَوَقَّف عَنْ الْكَلَام فِيهِمْ , فَلَا يَحْكُم لَهُمْ بِشَيْءٍ , وَتَقَدَّمَتْ دَلَائِل الْجَمِيع. وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْجَنَّةِ أَنْ يَقُولُوا فِي جَوَاب هَذَا الْحَدِيث مَعْنَاهُ عَلِمَ اللَّه لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا. قَوْله : ( وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ فَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا , وَأَلْحَقَهُمَا بِهِمَا. وَالْمُرَاد بِالطُّغْيَانِ هُنَا الزِّيَادَة فِي الضَّلَال. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ دَلَائِل مَذْهَب أَهْل الْحَقّ فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِمَا كَانَ , وَبِمَا يَكُون , وَبِمَا لَا يَكُون لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } وَقَوْله تَعَالَى { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ } وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات قَوْله تَعَالَى : { خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا } قِيلَ : الْمُرَاد بِالزَّكَاةِ الْإِسْلَام , وَقِيلَ : الصَّلَاح. وَأَمَّا الرُّحْم فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الرَّحْمَة لِوَالِدَيْهِ وَبِرِّهِمَا , وَقِيلَ : الْمُرَاد يَرْحَمَانِهِ. قِيلَ : أَبْدَلَهُمَا اللَّه بِنْتًا صَالِحَة , وَقِيلَ : اِبْنًا حَكَاهُ الْقَاضِي.