💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ ) هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْكَاف , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا وَتَشْدِيد الْكَاف. قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الثَّانِي هُوَ ضَبْط أَكْثَر الشُّيُوخ وَأَصْحَاب الْحَدِيث. قَالَ : وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَهُوَ قَوْل الْمُحَقِّقِينَ , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي بِكَالٍ بَطْن مِنْ حِمْيَر , وَقِيلَ : مِنْ هَمْدَانَ. وَنَوْف هَذَا هُوَ اِبْن فَضَالَة , كَذَا قَالَهُ اِبْن دُرَيْد وَغَيْره , وَهُوَ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار , وَقِيلَ : اِبْن أَخِيهِ , وَالْمَشْهُور الْأَوَّل , قَالَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره. قَالُوا : وَكُنْيَته أَبُو يَزِيد , وَقِيلَ : أَوْ رُشْد , وَكَانَ عَالِمًا حَكِيمًا قَاضِيًا وَإِمَامًا لِأَهْلِ دِمَشْق. قَوْله : ( كَذَبَ عَدُوّ اللَّه ) قَالَ الْعُلَمَاء : هُوَ عَلَى وَجْه الْإِغْلَاظ وَالزَّجْر عَنْ مِثْل قَوْله , لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَدُوّ اللَّه حَقِيقَة , إِنَّمَا قَالَهُ مُبَالَغَة فِي إِنْكَار قَوْله لِمُخَالَفَتِهِ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَال غَضَب اِبْن عَبَّاس لِشِدَّةِ إِنْكَاره , وَحَال الْغَضَب تُطْلَق الْأَلْفَاظ وَلَا تُرَادُ بِهَا حَقَائِقهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( أَنَا أَعْلَم ) أَيْ فِي اِعْتِقَاده , وَإِلَّا فَكَانَ الْخَضِر أَعْلَم مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْم إِلَيْهِ ) أَيْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : اللَّه أَعْلَم , فَإِنَّ مَخْلُوقَاتِ اللَّه تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّك إِلَّا هُوَ } وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء بِسُؤَالِ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لِقَاء الْخَضِر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِسْتِحْبَاب الرِّحْلَة فِي طَلَب الْعِلْم , وَاسْتِحْبَاب الِاسْتِكْثَار مِنْهُ , وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِلْم بِمَحَلٍّ عَظِيم أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ , وَيَسْعَى إِلَيْهِ فِي تَحْصِيلِهِ , وَفِيهِ فَضِيلَةُ طَلَب الْعِلْم وَفِي تَزَوُّدِهِ الْحُوت وَغَيْره جَوَاز التَّزَوُّد فِي السَّفَر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْأَدَب مَعَ الْعَالِم , وَحُرْمَة الْمَشَايِخ , وَتَرْك الِاعْتِرَاض عَلَيْهِمْ , وَتَأْوِيل مَا لَا يُفْهَم ظَاهِره مِنْ أَفْعَالهمْ وَحَرَكَاتهمْ وَأَقْوَالهمْ , وَالْوَفَاء بِعُهُودِهِمْ , وَالِاعْتِذَار عِنْد مُخَالَفَة عَهْدهمْ. وَفِيهِ إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول : الْخَضِر وَلِيّ. وَفِيهِ جَوَاز سُؤَال الطَّعَام عِنْد الْحَاجَة , وَجَوَاز إِجَارَة السَّفِينَة , وَجَوَاز رُكُوب السَّفِينَة وَالدَّابَّة وَسُكْنَى الدَّار وَلُبْس الثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ بِغَيْرِ أُجْرَة بِرِضَى صَاحِبه وَقَوْله : ( حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْل ). وَفِيهِ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّن خِلَافه لِإِنْكَارِ مُوسَى. قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْل مُوسَى : " لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا " وَ " شَيْئًا نُكْرًا " أَيُّهُمَا أَشَدُّ ؟ فَقِيلَ : إِمْرًا لِأَنَّهُ الْعَظِيم , وَلِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة خَرْق السَّفِينَة الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَة هَلَاك الَّذِي فِيهَا وَأَمْوَالهمْ , وَهُوَ أَعْظَم مِنْ قَتْل الْغُلَام , فَإِنَّهَا نَفْسُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ : نُكْرًا أَشَدّ لِأَنَّهُ مَا قَالَهُ عِنْد مُبَاشَرَة الْقَتْل حَقِيقَة , وَأَمَّا الْقَتْل فِي خَرْق السَّفِينَة فَمَظْنُون , وَقَدْ يَسْلَمُونَ فِي الْعَادَة , وَقَدْ سَلِمُوا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة , وَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ مُحَقَّق إِلَّا مُجَرَّد الْخَرْق وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَم مِنْك ) قَالَ قَتَادَةُ : هُوَ مَجْمَع بَحْرَيْ فَارِس وَالرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق , وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ بَأَفْرِيقِيَّة. قَوْله : ( اِحْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَحَيْثُ تَفْقِد الْحُوت فَهُوَ ثَمَّ ) الْحُوت السَّمَكَة , وَكَانَتْ سَمَكَة مَالِحَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَالْمِكْتَل بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة فَوْقُ , وَهُوَ الْقُفَّة وَالزَّبِيل , وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات. وَتَفْقِدُهُ بِكَسْرِ الْقَاف أَيْ يَذْهَبُ مِنْك , يُقَالُ : فَقَدَهُ وَافْتَقَدَهُ. وَثَمَّ بِفَتْحِ الثَّاء أَيْ هُنَاكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ ) وَهُوَ يُوشَع بْن نُون مَعْنَى فَتَاهُ صَاحِبه , وَنُون مَصْرُوف كَنُوحٍ , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدُّ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ فَتَاهُ عَبْدٌ لَهُ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَال الْبَاطِلَة. قَالُوا. وَهُوَ يُوشَع بْن نُون بْن إفراثيم بْن يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جِرْيَة الْمَاء حَتَّى كَانَ مِثْل الطَّاق ) أَمَّا ( الْجِرْيَة ) فَبِكَسْرِ الْجِيم. وَالطَّاق عَقْد الْبِنَاء , وَجَمْعه طِيقَان وَأَطْوَاق , وَهُوَ الْأَزَجِ , وَمَا عُقِدَ أَعْلَاهُ مِنْ الْبِنَاء وَبَقِيَ مَا تَحْته خَالِيًا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا ) ضَبَطُوهُ بِنَصْبِ لَيْلَتهمَا وَجَرِّهَا. وَالنَّصَب التَّعَب. قَالُوا : لَحِقَهُ النَّصَب وَالْجُوع لِيَطْلُبَ الْغِذَاء , فَيَتَذَكَّر بِهِ نِسْيَان الْحُوت , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أُمِرَ بِهِ ". قَوْله : ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ) قِيلَ : إِنَّ لَفْظَة عَجَبًا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمَامِ كَلَام يُوشَع , وَقِيلَ : مِنْ كَلَام مُوسَى , أَيْ قَالَ مُوسَى : عَجِبْت مِنْ هَذَا عَجَبًا , وَقِيلَ : مِنْ كَلَام اللَّه تَعَالَى , وَمَعْنَاهُ اتَّخَذَ مُوسَى سَبِيل الْحُوت فِي الْبَحْر عَجَبًا. قَوْله ( مَا كُنَّا نَبْغِي ) أَيْ نَطْلُبُ , مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جِئْنَا نَطْلُبُهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَفْقِدُ فِيهِ الْحُوت. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ الْخَضِر : أَنَّى بِأَرْضِك السَّلَام ؟ ) الْمُسَجَّى الْمُغَطَّى. وَأَنَّى أَيْ مِنْ أَيْنَ السَّلَام فِي هَذِهِ الْأَرْض الَّتِي لَا يُعْرَف فِيهَا السَّلَام ؟ قَالَ الْعُلَمَاء : ( أَنَّى ) تَأْتِي بِمَعْنَى أَيْنَ , وَمَتَى , وَحَيْثُ , وَكَيْف. ( وَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْل ) بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْوَاو أَيْ بِغَيْرِ أَجْر وَالنَّوْل , وَالنَّوَال الْعَطَاء. قَوْله : ( لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ) قُرِئَ فِي السَّبْع بِضَمِّ التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْقُ وَنَصْب أَهْلهَا , وَبِفَتْحِ الْمُثَنَّاة تَحْتُ وَرَفْع أَهْلهَا ( لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا ) أَيْ عَظِيمًا كَثِير الشِّدَّة ( وَلَا تُرْهِقْنِي ) أَيْ تَغْشَنِي وَتُحَمِّلنِي. قَوْله : ( أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا ) قُرِئَ فِي السَّبْع ( زَاكِيَة ) وَ ( زَكِيَّة ) قَالُوا : وَمَعْنَاهُ طَاهِرَة مِنْ الذُّنُوب. وَقَوْله : ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَك عَلَيْهَا. وَالنُّكْر الْمُنْكَر. وَقُرِئَ فِي السَّبْع بِإِسْكَانِ الْكَاف وَضَمّهَا , وَالْأَكْثَرُونَ بِالْإِسْكَانِ. قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَوْله : إِذَا غُلَام يَلْعَب فَقَتَلَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا لَيْسَ بِبَالِغٍ ; لِأَنَّهُ حَقِيقَة الْغُلَام , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا. وَزَعَمَتْ طَائِفَة أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا يَعْمَل بِالْفَسَادِ , وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ : ( أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ؟ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاص , وَالصَّبِيّ لَا قِصَاص عَلَيْهِ , وَبِقَوْلِهِ : ( كَانَ كَافِرًا ) فِي قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس كَمَا ذَكَرَ فِي آخِر الْحَدِيث , وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد التَّنَبُّه عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقّ , وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ شَرْعهمْ كَانَ إِيجَاب الْقِصَاص عَلَى الصَّبِيّ , كَمَا أَنَّهُ فِي شَرْعِنَا يُؤَاخَذُ بِغَرَامَةِ الْمُتْلَفَات. وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ شَاذّ لَا حُجَّة فِيهِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمَّاهُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ لَوْ عَاشَ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة. قَوْله ( قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) فِيهِ ثَلَاث قَرَاآت فِي السَّبْع : الْأَكْثَرُونَ بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد النُّون , وَالثَّانِيَة بِالضَّمِّ وَتَخْفِيف النُّون , وَالثَّالِثَة بِإِسْكَانِ الدَّال وَإِشْمَامهَا الضَّمّ وَتَخْفِيف النُّون , وَمَعْنَاهُ قَدْ بَلَغْت إِلَى الْغَايَة الَّتِي تُعْذَر بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي. قَوْله تَعَالَى : ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) قَالَ الثَّعْلَبِيّ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : هِيَ أَنْطَاكِيَّة , وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : الْأَيْلَة , وَهِيَ أَبْعَد الْأَرْض مِنْ السَّمَاء. قَوْله تَعَالَى : ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) هَذَا مِنْ الْمَجَاز لِأَنَّ الْجِدَار لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَة إِرَادَة , وَمَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ الِانْقِضَاض , وَهُوَ السُّقُوط. وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُود الْمَجَاز فِي الْقُرْآن , وَلَهُ نَظَائِر مَعْرُوفَة. قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه : كَانَ طُول هَذَا الْجِدَار إِلَى السَّمَاء مِائَة ذِرَاع. قَوْله : ( لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) قُرِئَ بِالسَّبْعِ ( لَتَخِذْت ) بِتَخْفِيفِ التَّاء وَكَسْر الْخَاء , ( وَلَاتَّخَذْت ) بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْح الْخَاء أَيْ لَأَخَذْت عَلَيْهِ أُجْرَة تَأْكُلُ بِهَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَجَاءَ عُصْفُور حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْف السَّفِينَة ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْر فَقَالَ لَهُ الْخَضِر : مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه تَعَالَى إِلَّا مِثْل مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُور مِنْ الْبَحْر ) قَالَ الْعُلَمَاء : لَفْظ ( النَّقْص ) هُنَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ عِلْمِي وَعِلْمك بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى كَنِسْبَةِ مَا نَقَرَهُ هَذَا الْعُصْفُور إِلَى مَاء الْبَحْر , هَذَا عَلَى التَّقْرِيب إِلَى الْأَفْهَام , وَإِلَّا فَنِسْبَة عِلْمهمَا أَقَلّ وَأَحْقَر. وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ " مَا عِلْمِي وَعِلْمك فِي جَنْب عِلْم اللَّه إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُور بِمِنْقَارِهِ " أَيْ فِي جَنْب مَعْلُوم اللَّه. وَقَدْ يُطْلَق الْعِلْم بِمَعْنَى الْمَعْلُوم , وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَصْدَر لِإِرَادَةِ الْمَفْعُول كَقَوْلِهِمْ : رَغْم ضَرْب السُّلْطَان أَيْ مَضْرُوبه. قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْض مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث : ( إِلَّا ) هُنَا بِمَعْنَى ( وَلَا ) أَيْ وَلَا نَقَصَ عِلْمِي. وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه وَلَا مِثْل مَا أَخْذ هَذَا الْعُصْفُور , لِأَنَّ عِلْم اللَّه تَعَالَى لَا يَدْخُلُهُ نَقْص. قَالَ الْقَاضِي : وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف , بَلْ هُوَ صَحِيح كَمَا بَيَّنَّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.