💡شرح النووي على مسلم
أَمَّا ( الْوَبَاء ) فَمَهْمُوز مَقْصُور وَمَمْدُود , لُغَتَانِ , الْقَصْر أَفْصَح وَأَشْهَر. قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغ لَقِيَهُ أَهْل الْأَجْنَاد ) أَمَّا ( سَرْغ ) فَبِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة , وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْره أَيْضًا فَتْح الرَّاء , وَالْمَشْهُور إِسْكَانهَا , وَيَجُوز صَرْفه وَتَرْكه , وَهِيَ قَرْيَة فِي طَرَف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحِجَاز. وَقَوْله : ( أَهْل الْأَجْنَاد ) وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة : ( أُمَرَاء الْأَجْنَاد ) وَالْمُرَاد بِالْأَجْنَادِ هُنَا مَدَن الشَّام الْخَمْس , وَهِيَ فِلَسْطِين وَالْأُرْدُنّ وَدِمَشْق وَحِمْص وَقِنِّسْرِين , هَكَذَا فَسَّرُوهُ , وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَمَعْلُوم أَنَّ فِلَسْطِين اِسْم لِنَاحِيَةِ بَيْت الْمَقْدِس , وَالْأَرْدُن اِسْم لِنَاحِيَةِ سِيَّان وَطَبَرِية , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِمَا , وَلَا يَضُرّ إِطْلَاق اِسْم الْمَدِينَة عَلَيْهِ. قَوْله : ( اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , فَدَعَا , ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَار , ثُمَّ مَشْيَخَة قُرَيْش مِنْ مُهَاجِرَة الْفَتْح ) إِنَّمَا رَتَّبَهُمْ هَكَذَا عَلَى حَسَب فَضَائِلهمْ. قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ , فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْد تَحْوِيل الْقِبْلَة فَلَا يُعَدّ فِيهِمْ. قَالَ : وَأَمَّا مُهَاجِرَة الْفَتْح , فَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْل الْفَتْح , فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْل بِالْهِجْرَةِ قَبْل الْفَتْح , إِذْ لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح , وَقِيلَ : هُمْ مُسْلِمَة الْفَتْح الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْده , فَحَصَلَ لَهُمْ اِسْم دُون الْفَضِيلَة. قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَظْهَر ; لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يُطْلَق عَلَيْهِمْ مَشْيَخَة قُرَيْش. وَكَانَ رُجُوع عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِرُجْحَانِ طَرَف الرُّجُوع لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ , وَأَنَّهُ أَحْوَط , وَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّد تَقْلِيد لِمُسْلِمَةِ الْفَتْح ; لِأَنَّ بَعْض الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَبَعْض الْأَنْصَار أَشَارُوا بِالرُّجُوعِ , وَبَعْضهمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ , وَانْضَمَّ إِلَى الْمُشِيرِينَ بِالرُّجُوعِ رَأْي مَشْيَخَة قُرَيْش , فَكَثُرَ الْقَائِلُونَ بِهِ , مَعَ مَا لَهُمْ مِنْ السِّنّ وَالْخِبْرَة وَكَثْرَة التَّجَارِب وَسَدَاد الرَّأْي. وَحُجَّة الطَّائِفَتَيْنِ وَاضِحَة مُبَيَّنَة فِي الْحَدِيث , وَهُمَا مُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فِي الشَّرْع : أَحَدهمَا التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم لِلْقَضَاءِ , وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط وَالْحَذَر وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة. قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّمَا رَجَعَ عُمَر لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَمَا قَالَ مُسْلِم هُنَا فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : إِنَّ عُمَر إِنَّمَا اِنْصَرَفَ بِالنَّاسِ عَنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَرْجِع لِرَأْيٍ دُون رَأْي حَتَّى يَجِد عِلْمًا وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ. قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا ) فَقَالُوا أَيْ مُسَافِر إِلَى الْجِهَة الَّتِي قَصَدْنَاهَا أَوَّلًا , لَا لِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة , وَهَذَا تَأْوِيل فَاسِد , وَمَذْهَب ضَعِيف , بَلْ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَوْ صَرِيحه , أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الرُّجُوع أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ حِين رَأَى الْأَكْثَرِينَ عَلَى تَرْك الرُّجُوع , مَعَ فَضِيلَة الْمُشِيرِينَ بِهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاط , ثُمَّ بَلَغَهُ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن , فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى , وَشَكَرَهُ عَلَى مُوَافَقَة اِجْتِهَاده وَاجْتِهَاد مُعْظَم أَصْحَابه نَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ ) هُوَ بِإِسْكَانِ الصَّاد فِيهِمَا أَيْ مُسَافِر رَاكِب عَلَى ظَهْر الرَّاحِلَة , رَاجِع إِلَى وَطَنِي , فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ , وَتَأَهَّبُوا لَهُ. وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم : ( إِنَّهُ رَجَعَ لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن ) فَيُحْتَمَل أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَبْلُغهُ مَا كَانَ عُمَر عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ الرُّجُوع قَبْل حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن لَهُ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَرْجِع إِلَّا بَعْد حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَفِرَارًا مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ‚ وَكَانَ عُمَر يَكْرَه خِلَافه نَعَمْ نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه , أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إِبِل فَهَبَطْت وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِيبَة وَالْأُخْرَى جَدْبَة , أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْت الْخَصِيبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه , وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه ) ؟ أَمَّا ( الْعُدْوَة ) فَبِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا وَهِيَ جَانِب الْوَادِي , ( وَالْجَدْبَة ) بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة , وَهِيَ ضِدّ الْخَصِيبَة. وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْجَدْبَة هُنَا بِسُكُونِ الدَّال وَكَسْرهَا. قَالَ : وَالْخِصْبَة كَذَلِكَ. أَمَّا قَوْله : ( لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ) فَجَوَاب ( لَوْ ) مَحْذُوف , وَفِي تَقْدِيره وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره. أَحَدهمَا لَوْ قَالَهُ غَيْرك لَأَدَّبْته , لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيَّ فِي مَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة وَافَقَنِي عَلَيْهَا أَكْثَر النَّاس , وَأَهْل الْحِلّ وَالْعَقْد فِيهَا. وَالثَّانِي لَوْ قَالَهَا غَيْرك لَمْ أَتَعَجَّب مَعَهُ , وَإِنَّمَا أَتَعَجَّب مِنْ قَوْلك أَنْتَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْم وَالْفَضْل , ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ عُمَر دَلِيلًا وَاضِحًا مِنْ الْقِيَاس الْجَلِيّ الَّذِي لَا شَكّ فِي صِحَّته , وَلَيْسَ ذَلِكَ اِعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ الرُّجُوع يَرُدّ الْمَقْدُور , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمْر بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْم وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْهَلَاك كَمَا أَمَرَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالتَّحَصُّنِ مِنْ سِلَاح الْعَدُوّ , وَتَجَنُّب الْمَهَالِك , وَإِنْ كَانَ كُلّ وَاقِع فَبِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرَهُ السَّابِق فِي عِلْمه , وَقَاسَ عُمَر عَلَى رَعْي الْعُدْوَتَيْنِ لِكَوْنِهِ وَاضِحًا لَا يُنَازِع فِيهِ أَحَد مَعَ مُسَاوَاته لِمَسْأَلَةِ النِّزَاع. قَوْله : ( أَكُنْت مُعَجِّزه ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْجِيم أَيْ تَنْسُبهُ إِلَى الْعَجْز , مَقْصُود عُمَر أَنَّ النَّاس رَعِيَّة لِي اِسْتَرْعَانِيهَا اللَّه تَعَالَى , فَيَجِب عَلِيّ الِاحْتِيَاط لَهَا , فَإِنْ تَرَكْته نَسَبْت إِلَى الْعَجْز وَاسْتَوْجَبْت الْعُقُوبَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله : ( هَذَا الْمَحَلّ أَوْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِل ) هُمَا بِمَعْنًى , وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا , وَالْفَتْح أَقْيَس , فَإِنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْن ( فَعَلَ ) وَمُضَارِعه ( يَفْعُل ) بِضَمِّ ثَالِثه كَانَ مَصْدَره وَاسْم الزَّمَان وَالْمَكَان ( مَفْعَلًا ) بِالْفَتْحِ كَقَعَدِ يَقْعُد مَقْعَدًا , وَنَظَائِره , إِلَّا أَحْرُفًا شَذَّتْ جَاءَتْ بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهَا الْمَحَلّ. قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَا قَالَ مَالِك , وَقَالَ مَعْمَر وَيُونُس : عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث. قَالَ : وَالْحَدِيث صَحِيح عَلَى اِخْتِلَافه. قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَلَمْ يُخَرِّجهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق مَالِك. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيث عُمَر هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة : مِنْهَا خُرُوج الْإِمَام بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَته فِي بَعْض الْأَوْقَات لِيُشَاهِد أَحْوَال رَعِيَّته , وَيُزِيل ظُلْم الْمَظْلُوم , وَيَكْشِف كَرْب الْمَكْرُوب , وَيَسُدّ خَلَّة الْمُحْتَاج , وَيَقْمَع أَهْل الْفَسَاد , وَيَخَافهُ أَهْل الْبَطَالَة وَالْأَذَى وَالْوُلَاة , وَيَحْذَرُوا تَجَسُّسه عَلَيْهِمْ وَوُصُول قَبَائِحهمْ إِلَيْهِ , فَيَنْكُفُوا , وَيُقِيم فِي رَعِيَّته شَعَائِر الْإِسْلَام , وَيُؤَدِّب مَنْ رَآهُمْ مُخِلِّينَ بِذَلِكَ , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح. وَمِنْهَا تَلَقِّي الْأُمَرَاء وَوُجُوه النَّاس الْإِمَام عِنْد قُدُومه , وَإِعْلَامهمْ إِيَّاهُ بِمَا حَدَثَ فِي بِلَادهمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَوَبَاء , وَرُخْص , وَغَلَاء , وَشِدَّة , وَرَخَاء وَغَيْر ذَلِكَ. وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب مُشَاوَرَة أَهْل الْعِلْم وَالرَّأْي فِي الْأُمُور الْحَادِثَة , وَتَقْدِيم أَهْل السَّابِقَة فِي ذَلِكَ. وَمِنْهَا تَنْزِيل النَّاس مَنَازِلهمْ , وَتَقْدِيم أَهْل الْفَضْل عَلَى غَيْرهمْ , وَالِابْتِدَاء بِهِمْ فِي الْمَكَارِم. وَمِنْهَا جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْحُرُوب وَنَحْوهَا كَمَا يَجُوز فِي الْأَحْكَام. وَمِنْهَا قَبُول خَبَر الْوَاحِد , فَإِنَّهُمْ قَبِلُوا خَبَر عَبْد الرَّحْمَن. وَمِنْهَا صِحَّة الْقِيَاس , وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ. وَمِنْهَا اِبْتِدَاء الْعَالِم بِمَا عِنْده مِنْ الْعِلْم قَبْل أَنْ يَسْأَلهُ كَمَا فَعَلَ عَبْد الرَّحْمَن. وَمِنْهَا اِجْتِنَاب أَسْبَاب الْهَلَاك. وَمِنْهَا مَنْع الْقُدُوم عَلَى الطَّاعُون , وَمَنْع الْفِرَار مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم.