💡شرح النووي على مسلم
قَوْلهَا : ( دَخَلْت عَلَيْهِ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَة , فَقَالَ : عَلَامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادكُنَّ بِهَذَا الْعَلَاق , عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُود الْهِنْدِيّ , فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَة أَشْفِيَة مِنْهَا ذَات الْجَنْب يُسْعَط مِنْ الْعُذْرَة , وَيُلَدّ مِنْ ذَات الْجَنْب ). أَمَّا قَوْلهَا : ( أَعَلَقْت عَلَيْهِ ) فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم ( عَلَيْهِ ) وَوَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر وَغَيْره ( عَلَيْهِ ) فَأَعْلَقْت عَلَيْهِ كَمَا هُنَا. وَمَنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ ( فَأَعْلَقْت عَنْهُ ) بِالنُّونِ , وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ ( أَعَلَقْت عَلَيْهِ ) , وَالصَّوَاب ( عَنْهُ ) وَكَذَا قَالَهُ غَيْره , وَحَكَاهُمَا بَعْضهمْ لُغَتَيْنِ : أَعَلَقْت عَنْهُ , وَعَلَيْهِ , وَمَعْنَاهُ عَالَجْت وَجَع لَهَاته بِأُصْبُعِي , وَأَمَّا ( الْعُذْرَة ) فَقَالَ الْعُلَمَاء هِيَ بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة , وَهِيَ وَجَع فِي الْحَلْق يَهِيج مِنْ الدَّم , يُقَال فِي عِلَاجهَا : عَذَرْته , فَهُوَ مَعْذُور. وَقِيلَ : هِيَ قُرْحَة تَخْرُج فِي الْخُرْم الَّذِي بَيْن الْحَلْق وَالْأَنْف , تَعْرِض لَلصِّبْيَان غَالِبًا عِنْد طُلُوع الْعُذْرَة , وَهِيَ خَمْسَة كَوَاكِب تَحْت الشَّعْرَى الْعُبُور , وَتُسَمَّى الْعَذَارَى , وَتَطْلُع فِي وَسَط الْحَزّ , وَعَادَة النِّسَاء فِي مُعَالَجَة الْعُذْرَة أَنْ تَأْخُذ الْمَرْأَة خِرْقَة فَتَفْتِلهَا فَتْلًا شَدِيدًا وَتُدْخِلهَا فِي أَنْف الصَّبِيّ , وَتَطْعَن ذَلِكَ الْمَوْضِع , فَيَنْفَجِر مِنْهُ دَم أَسْوَد , وَرُبَّمَا أَقْرَحَتْهُ , وَذَلِكَ الطَّعْن يُسَمَّى دَغْرًا وَغَدْرًا. فَمَعْنَى ( تَدْغَرْنَ أَوْلَادكُنَّ ) أَنَّهَا تَغْمِز حَلْق الْوَلَد بِأُصْبُعِهَا , فَتَرْفَع ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَتَكْبِسهُ. وَأَمَّا ( الْعَلَاق ) فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( الْإِعْلَاق ) وَهُوَ الْأَشْهَر عِنْد أَهْل اللُّغَة حَتَّى زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ الصَّوَاب , وَأَنَّ الْعَلَاق لَا يَجُوز. قَالُوا : وَالْإِعْلَاق مَصْدَر أَعَلَقْت عَنْهُ , وَمَعْنَاهُ أَزَلْت عَنْهُ الْعَلُوق , وَهِيَ الْآفَة وَالدَّاهِيَة , وَالْإِعْلَاق هُوَ مُعَالَجَة عُذْرَة الصَّبِيّ , وَهِيَ وَجَع حَلْقه كَمَا سَبَقَ. قَالَ اِبْن الْأَثِير : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْعَلَاق هُوَ الِاسْم مِنْهُ. وَأَمَّا ( ذَات الْجَنْب ) فَعِلَّة مَعْرُوفَة. وَالْعُود الْهِنْدِيّ يُقَال لَهُ : الْقُسْط , وَالْكُسْت لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَامَه تَدْغَرْنَ أَوْلَادكُنَّ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( عَلَامَه ) وَهِيَ هَاء السَّكْت ثَبَتَتْ هُنَا فِي الدَّرْج. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيهِ سَبْعَة أَشْفِيَة ) فَقَدْ أَطْبَقَ الْأَطِبَّاء فِي كُتُبهمْ عَلَى أَنَّهُ يُدِرّ الطَّمْث وَالْبَوْل , وَيَنْفَع مِنْ السُّمُوم , وَيُحَرِّك شَهْوَة الْجِمَاع , وَيَقْتُل الدُّود وَحُبّ الْقَرْع فِي الْأَمْعَاء إِذَا شُرِبَ بِعَسَلٍ , وَيُذْهِب الْكَلَف إِذَا طُلِيَ عَلَيْهِ , وَيَنْفَع مِنْ بَرْد الْمَعِدَة وَالْكَبِد , وَيَرُدّهُمَا , وَمِنْ حُمَّى الْوَرْد وَالرِّبْع , وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ صِنْفَانِ بَحْرِيّ وَهِنْدِيّ , وَالْبَحْرِيّ هُوَ الْقُسْط الْأَبْيَض , وَهُوَ أَكْثَر مِنْ صِنْفَيْنِ , وَنَصَّ بَعْضهمْ أَنَّ الْبَحْرِيّ أَفْضَل مِنْ الْهِنْدِيّ , وَهُوَ أَقَلّ حَرَارَة مِنْهُ , وَقِيلَ : هُمَا حَارَّانِ يَابِسَانِ فِي الدَّرَجَة الثَّالِثَة , وَالْهِنْدِيّ أَشَدّ حَرًّا فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ الْحَرَارَة , وَقَالَ اِبْن سِينَا : الْقُسْط حَارّ فِي الثَّالِثَة يَابِس فِي الثَّانِيَة. فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذِهِ الْمَنَافِع الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقُسْط , فَصَارَ مَمْدُوحًا شَرْعًا وَطِبًّا , وَإِنَّمَا عَدَدْنَا مَنَافِع الْقُسْط مِنْ كُتُب الْأَطِبَّاء لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ مِنْهَا عَدَدًا مُجْمَلًا.