💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَة ) هِيَ بِضَمِّ الدَّال وَفَتْحهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , وَزَعَمَ اِبْن دُرَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوز إِلَّا الضَّمّ , وَأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَفْتَحُونَهَا , وَأَنَّهُمْ غَالِطُونِ فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ هُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَهْل الْحَدِيث يَقُولُونَهَا بِالضَّمِّ , وَأَهْل اللُّغَة يَفْتَحُونَهَا. وَيُقَال لَهَا أَيْضًا ( دَوْمًا ) , وَهِيَ مَدِينَة لَهَا حِصْن عَادِيّ , وَهِيَ فِي بَرِّيَّة فِي أَرْض نَخْل وَزَرْع , يَسْقُونَ بِالنَّوَاضِحِ , وَحَوْلهَا عُيُون قَلِيلَة , وَغَالِب زَرْعهمْ الشَّعِير , وَهِيَ عَنْ الْمَدِينَة عَلَى نَحْو ثَلَاث عَشَرَة مَرْحَلَة , وَعَنْ دِمَشْق عَلَى نَحْو عَشَر مَرَاحِل , وَعَنْ الْكُوفَة عَلَى قَدْر عَشَر مَرَاحِل أَيْضًا. وَاللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا ( أُكَيْدِرُ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْكَاف , وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْن عَبْد الْمَلَك الْكِنْدِيّ. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه الْمُبْهَمَات : كَانَ نَصْرَانِيًّا , ثُمَّ أَسْلَمَ. قَالَ : وَقِيلَ : بَلْ مَاتَ نَصْرَانِيًّا. وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ , وَأَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا فِي مَعْرِفَة الصَّحَابَة : إِنَّ أُكَيْدِرًا هَذَا أَسْلَمَ , وَأَهْدَى إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّة سِيَرَاء. قَالَ اِبْن الْأَثِير فِي كِتَابه مَعْرِفَة الصَّحَابَة. أَمَّا الْهَدِيَّة وَالْمُصَالَحَة فَصَحِيحَانِ , وَأَمَّا الْإِسْلَام فَغَلَط. قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِم بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر , وَمَنْ قَالَ أَسْلَمَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأ فَاحِشًا. قَالَ : وَكَانَ أُكَيْدِرُ نَصْرَانِيًّا , فَلَمَّا صَالَحَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ إِلَى حِصْنه , وَبَقِيَ فِيهِ , ثُمَّ حَاصَرَهُ خَالِد بْن الْوَلِيد فِي زَمَان أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَتَلَهُ مُشْرِكًا نَصْرَانِيًّا , يَعْنِي لِنَقْضِهِ الْعَهْد قَالَ : وَذَكَرَ الْبَلَاذُرِيّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَادَ إِلَى ( دَوْمَة ) , فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِرْتَدَّ أُكَيْدِرُ , فَلَمَّا سَارَ خَالِد مِنْ الْعِرَاق إِلَى الشَّام قَتَلَهُ , وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَيْضًا عَدّه فِي الصَّحَابَة. هَذَا كَلَام اِبْن الْأَثِير. قَوْله : ( إِنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَة أَهْدَى إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ ثَوْب حَرِير , فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا , فَقَالَ : شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْن الْفَوَاطِم ) أَمَّا الْخُمُر فَسَبَقَ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيم جَمْع خِمَار , وَأَمَّا الْفَوَاطِم , فَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَالْأَزْهَرِيّ وَالْجُمْهُور : إِنَّهُنَّ ثَلَاث : فَاطِمَة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَاطِمَة بِنْت أَسَد , وَهِيَ أُمّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَهِيَ أَوَّل هَاشِمِيَّة وَلَدَتْ لِهَاشِمِيِّ , وَفَاطِمَة بِنْت حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلَب. وَذَكَرَ الْحَافِظَانِ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد , وَابْن عَبْد الْبَرّ بِإِسْنَادِهِمَا أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَسَمَهُ بَيْن الْفَوَاطِم الْأَرْبَع , فَذَكَر هَؤُلَاءِ الثَّلَاث. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يُشْبِه أَنْ تَكُون الرَّابِعَة فَاطِمَة بِنْت شَيْبَة بْن رَبِيعَة اِمْرَأَة عُقَيْل بْن أَبِي طَالِب لِاخْتِصَاصِهَا بِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِالْمُصَاهَرَةِ , وَقَرَّبَهَا إِلَيْهِ بِالْمُنَاسَبَةِ , وَهِيَ مِنْ الْمُبَايِعَات , شَهِدَتْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا , وَلَهَا قِصَّة مَشْهُورَة فِي الْغَنَائِم تَدُلّ عَلَى وَرَعهَا. وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْمَذْكُورَات فَاطِمَة بِنْت أَسَد أُمّ عَلِيّ كَانَتْ مِنْهُنَّ , وَهُوَ مُصَحِّح لِهِجْرَتِهَا كَمَا قَالَهُ غَيْر وَاحِد , خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْل الْهِجْرَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز قَبُول هَدِيَّة الْكَافِر , وَقَدْ سَبَقَ الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث الْمُخْتَلِفَة فِي هَذَا وَفِيهِ جَوَاز هَدِيَّة الْحَرِير إِلَى الرِّجَال وَقَبُولهمْ إِيَّاهُ , وَجَوَاز لِبَاس النِّسَاء لَهُ.