💡شرح النووي على مسلم
قَوْلُهُ : ( لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّة الْمَدِينَة قَدَمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْء , وَكَانَ الْأَنْصَار أَهْل الْأَرْض وَالْعَقَار فَقَاسَمَهُمْ الْأَنْصَار عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَاف ثِمَار أَمْوَالهمْ كُلّ عَام , وَيَكْفُونَهُمْ الْعَمَل وَالْمَئُونَة ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَال أَهْل خَيْبَر , وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة رَدّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَار مَنَائِحَهُمْ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارهمْ , قَالَ الْعُلَمَاء : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ آثَرَهُمْ الْأَنْصَار بِمَنَائِحَ مِنْ أَشْجَارهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا مَنِيحَة مَحْضَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَعْمَل فِي الشَّجَر وَالْأَرْض وَلَهُ نِصْف الثِّمَار , وَلَمْ تَطِبْ نَفْسه أَنْ يَقْبَلَهَا مَنِيحَة مَحْضَة , هَذَا لِشَرَفِ نُفُوسهمْ وَكَرَاهَتهمْ أَنْ يَكُونُوا كَلًّا , وَكَانَ هَذَا مُسَاقَاة , وَفِي مَعْنَى الْمُسَاقَاة , فَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَر اِسْتَغْنَى الْمُهَاجِرُونَ بِأَنْصِبَائِهِمْ فِيهَا عَنْ تِلْكَ الْمَنَائِح , فَرَدُّوهَا إِلَى الْأَنْصَار , فَفِيهِ : فَضِيلَة ظَاهِرَة لِلْأَنْصَارِ فِي مُوَاسَاتهمْ وَإِيثَارهمْ , وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ حُبّ الْإِسْلَام , وَإِكْرَام أَهْله , وَأَخْلَاقهمْ الْجَمِيلَة , وَنُفُوسهمْ الطَّاهِرَة , وَقَدْ شَهِدَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّار وَالْإِيمَان مِنْ قَبْلهمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. } الْآيَة. قَوْله : ( وَكَانَ الْأَنْصَار أَهْل الْأَرْض وَالْعَقَار ) أَرَادَ بِالْعَقَارِ هُنَا النَّخْل , قَالَ الزَّجَّاج : الْعَقَار كُلّ مَا لَهُ أَصْل , قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّ النَّخْل خَاصَّة يُقَال لَهُ : الْعَقَار. قَوْله : ( وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمّ أَنَس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِذَاقًا لَهَا ) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْن جَمْع عَذْق بِفَتْحِهَا , وَهِيَ النَّخْلَة , كَكَلْبِ وَكِلَاب وَبِئْر وَبِئَار. قَوْله : ( فَأَعْطَاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ أَيْمَن ) هَذَا دَلِيل لِمَا قَدَّمْنَا عَنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلّ مَا أَعْطَتْ الْأَنْصَار عَلَى الْمُسَاقَاة , بَلْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مَنِيحَة وَمُوَاسَاة وَهَذَا مِنْهُ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا أَعْطَتْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِمَارهَا يَفْعَل فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ أَكْله بِنَفْسِهِ وَعِيَاله وَضَيْفه وَإِيثَاره بِذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ , فَلِهَذَا آثَرَ بِهَا أُمّ أَيْمَن , وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَة لَهُ خَاصَّة لَمَا أَبَاحَهَا لِغَيْرِهِ , لِأَنَّ الْمُبَاح لَهُ بِنَفْسِهِ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُبِيح ذَلِكَ الشَّيْء لِغَيْرِهِ , بِخِلَافِ الْمَوْهُوب لَهُ نَفْس رَقَبَة الشَّيْء فَإِنَّهُ يَتَصَرَّف فِيهِ كَيْف شَاءَ. قَوْله : ( رَدّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَار مَنَائِحَهُمْ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارهمْ ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَنَائِح ثِمَار , أَيْ : إِبَاحَة لَا تَمْلِيك لِأَرْقَابِ النَّخْل , فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِبَة لِرَقَبَةِ النَّخْل لَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا ; فَإِنَّ الرُّجُوع فِي الْهِبَة بَعْد الْقَبْض لَا يَجُوز , وَإِنَّمَا كَانَتْ إِبَاحَة كَمَا ذَكَرْنَا , وَالْإِبَاحَة يَجُوز الرُّجُوع فِيهَا مَتَى شَاءَ , وَمَعَ هَذَا لَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا حَتَّى اِتَّسَعَتْ الْحَال عَلَى الْمُهَاجِرِينَ بِفَتْحِ خَيْبَر , وَاسْتَغْنَوْا عَنْهَا , فَرَدُّوهَا عَلَى الْأَنْصَار فَقَبِلُوهَا , وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ. قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : وَكَانَ مِنْ شَأْن أُمّ أَيْمَن أُمّ أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَة لِعَبْدِ اللَّه بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَكَانَتْ مِنْ الْحَبَشَة ) هَذَا تَصْرِيح مِنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ أُمّ أَيْمَن أُمّ أُسَامَة بْن زَيْد حَبَشِيَّة وَكَذَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْره , وَيُؤَيِّدهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْض الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ سَبْي الْحَبَشَة أَصْحَاب الْفِيل , وَقِيلَ : إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَبَشِيَّة , وَإِنَّمَا الْحَبَشِيَّة اِمْرَأَة أُخْرَى , وَاسْم أُمّ أَيْمَن الَّتِي هِيَ أُمّ أُسَامَة بَرَكَة , كُنِّيَتْ بِابْنِهَا أَيْمَن بْن عُبَيْد الْحَبَشِيّ صَحَابِيّ اُسْتُشْهِدَ يَوْم خَيْبَر , قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره , وَقَدْ سَبَقَ ذِكْر قِطْعَة مِنْ أَحْوَال أُمّ أَيْمَن فِي بَاب الْقَافَة.