💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( تَمَنَّيْت لَوْ كُنْت بَيْن أَضْلَع مِنْهُمَا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( أَضْلَع ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَبِالْعَيْنِ , وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم , وَهُوَ الْأَصْوَب , قَالَ : وَوَقَعَ فِي بَعْض رِوَايَات الْبُخَارِيّ ( أَصْلُح ) بِالصَّادِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ , قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ مُسَدَّد , قُلْت : وَكَذَا وَقَعَ فِي حَاشِيَة بَعْض نُسَخ صَحِيح مُسْلِم , وَلَكِنَّ الْأَوَّل أَصَحّ وَأَجْوَد مَعَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ صَحِيحَانِ وَلَعَلَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا , وَمَعْنَى ( أَضْلَعَ ) : أَقْوَى. قَوْله : ( لَا يُفَارِق سَوَادِي سَوَاده ) أَيْ : شَخْصِي شَخْصه. قَوْله : ( حَتَّى يَمُوت الْأَعْجَل مِنَّا ) أَيْ : لَا أُفَارِقهُ حَتَّى يَمُوت أَحَدنَا , وَهُوَ الْأَقْرَب أَجَلًا. قَوْله : ( فَلَمْ أَنْشَب أَنْ نَظَرْت إِلَى أَبِي جَهْل يَزُول فِي النَّاس ) , مَعْنَاهُ لَمْ أَلْبَث. قَوْله : ( يَزُول ) هُوَ بِالزَّايِ وَالْوَاو هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا , وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِير شُيُوخهمْ , قَالَ : وَوَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ عَنْ اِبْن مَاهَانَ ( يَرْفُل ) بِالرَّاءِ وَالْفَاء , قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَر وَأَوْجَه , وَمَعْنَاهُ : يَتَحَرَّك وَيُزْعَج وَلَا يَسْتَقِرّ عَلَى حَالَة , وَلَا فِي مَكَان , وَالزَّوَال : الْقَلَق , قَالَ : فَإِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَمَعْنَاهُ : يُسْبِل ثِيَابه وَدِرْعه وَيَجُرّهُ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّكُمَا قَتَلَهُ ؟ ) فَقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : أَنَا قَتَلْته , فَقَالَ : هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا ؟ قَالَا : لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ : كِلَاكُمَا قَتَلَهُ , وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح ) , وَالرَّجُلَانِ : مُعَاذ اِبْن عَمْرو بْن الْجَمُوحِ , وَمُعَاذ بْن عَفْرَاء. اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ أَصْحَابنَا : اِشْتَرَكَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي جِرَاحَته , لَكِنَّ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح ثَخِنَهُ أَوَّلًا فَاسْتَحَقَّ السَّلَب , وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كِلَاكُمَا قَتَلَهُ , تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْآخَر مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ مُشَارَكَة فِي قَتْله , وَإِلَّا فَالْقَتْل الشَّرْعِيّ الَّذِي يَتَعَلَّق بِهِ اِسْتِحْقَاق السَّلَب وَهُوَ الْإِثْخَان وَإِخْرَاجه عَنْ كَوْنه مُتَمَنِّعًا إِنَّمَا وُجِدَ مِنْ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح , فَلِهَذَا قَضَى لَهُ بِالسَّلَبِ. قَالُوا : وَإِنَّمَا أَخَذَ السَّيْفَيْنِ لِيَسْتَدِلّ بِهِمَا عَلَى حَقِيقَة كَيْفِيَّة قَتْلهمَا , فَعَلِمَ أَنَّ اِبْن الْجَمُوحِ أَثْخَنَهُ , ثُمَّ شَارَكَهُ الثَّانِي بَعْد ذَلِكَ وَبَعْد اِسْتِحْقَاقه السَّلَب , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقّ فِي السَّلَب. هَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ أَصْحَاب مَالِك : إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ الْإِمَام مُخَيَّر فِي السَّلَب يَفْعَل فِيهِ مَا شَاءَ , وَقَدْ سَبَقَ الرَّدّ عَلَى مَذْهَبهمْ هَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَالرَّجُلَانِ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح وَمُعَاذ اِبْن عَفْرَاء ) فَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُوسُف بْن الْمَاجِشُونِ , وَجَاءَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ اِبْنَا عَفْرَاء , وَذَكَرَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اِبْن مَسْعُود , وَأَنَّ اِبْنَيْ عَفْرَاء ضَرَبَاهُ حَتَّى بَرَدَ , وَذَكَرَ ذَلِكَ مُسْلِم بَعْد هَذَا , وَذَكَرَ غَيْرهمَا أَنَّ اِبْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - هُوَ الَّذِي أَجْهَزَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ رَأْسه , وَكَانَ وَجَدَهُ وَبِهِ رَمَق , وَلَهُ مَعَهُ خَبَر مَعْرُوف , قَالَ الْقَاضِي : هَذَا قَوْل أَكْثَر أَهْل السِّيَر , قُلْت : يُحْمَل عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَة اِشْتَرَكُوا فِي قَتْله , وَكَانَ الْإِثْخَان مِنْ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح , وَجَاءَ اِبْن مَسْعُود بَعْد ذَلِكَ وَفِيهِ رَمَق فَحَزَّ رَقَبَته. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : الْمُبَادَرَة إِلَى الْخَيْرَات , وَالِاشْتِيَاق إِلَى الْفَضَائِل. وَفِيهِ : الْغَضَب لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ : أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْتَقَر أَحَد , فَقَدْ يَكُون بَعْض مَنْ يُسْتَصْغَر عَنْ الْقِيَام بِأَمْرٍ أَكْبَر مِمَّا فِي النُّفُوس وَأَحَقّ بِذَلِكَ الْأَمْر كَمَا جَرَى لِهَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ , وَاحْتَجَّتْ بِهِ الْمَالِكِيَّة فِي أَنَّ اِسْتِحْقَاق الْقَاتِل السَّلَب يَكْفِي فِيهِ قَوْله بِلَا بَيِّنَة , وَجَوَاب أَصْحَابنَا عَنْهُ لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرهَا.