💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أَيّكُمْ يَقُوم إِلَى سَلَا جَزُور بَنِي فُلَان. إِلَى آخِره ) ( السَّلَا ) بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام مَقْصُور , وَهُوَ : اللِّفَافَة الَّتِي يَكُون فِيهَا الْوَلَد فِي بَطْن النَّاقَة وَسَائِر الْحَيَوَان , وَهِيَ مِنْ الْآدَمِيَّة : الْمَشِيمَة. قَوْله : ( فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْم ) هُوَ : عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط , كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِشْكَال , فَإِنَّهُ يُقَال : كَيْف اِسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاة مَعَ وُجُود النَّجَاسَة عَلَى ظَهْره ؟ وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض : بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَجِسٍ. قَالَ : لِأَنَّ الْفَرْث وَرُطُوبَة الْبَدَن طَاهِرَانِ , وَالسَّلَا مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا النَّجِس الدَّم , وَهَذَا الْجَوَاب يَجِيء عَلَى مَذْهَب مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ رَوْث مَا يُؤْكَل لَحْمه طَاهِر , وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَآخَرِينَ نَجَاسَته , وَهَذَا الْجَوَاب الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ضَعِيف أَوْ بَاطِل ; لِأَنَّ هَذَا السَّلَا يَتَضَمَّن النَّجَاسَة مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَنْفَكّ مِنْ الدَّم فِي الْعَادَة , وَلِأَنَّهُ ذَبِيحَة عُبَّاد الْأَوْثَان فَهُوَ نَجِس , وَكَذَلِكَ اللَّحْم , وَجَمِيع أَجْزَاء هَذَا الْجَزُور. وَأَمَّا الْجَوَاب الْمُرْضِيّ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَم مَا وُضِعَ عَلَى ظَهْره , فَاسْتَمَرَّ فِي سُجُوده اِسْتِصْحَابًا لِلطَّهَارَةِ , وَمَا نَدْرِي هَلْ كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاة فَرِيضَة فَتَجِب إِعَادَتهَا عَلَى الصَّحِيح عِنْدنَا أَمْ غَيْرهَا فَلَا تَجِب ؟ فَإِنْ وَجَبَتْ الْإِعَادَة فَالْوَقْت مُوَسَّع لَهَا فَإِنْ قِيلَ يَبْعُد أَلَّا يُحِسّ بِمَا وَقَعَ عَلَى ظَهْره , قُلْنَا : وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ فَمَا يَتَحَقَّق أَنَّهُ نَجَاسَة. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَة طَرَحْته ) هِيَ بِفَتْحِ النُّون , وَحُكِيَ إِسْكَانهَا , وَهُوَ شَاذّ ضَعِيف , وَمَعْنَاهُ : لَوْ كَانَ لِي قُوَّة تَمْنَع أَذَاهُمْ , أَوْ كَانَ لِي عَشِيرَة بِمَكَّةَ تَمْنَعنِي , وَعَلَى هَذَا ( مَنَعَة ) جَمْع ( مَانِع ) كَكَاتِبِ وَكَتَبَة. قَوْله : ( وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب تَكْرِير الدُّعَاء ثَلَاثًا. وَقَوْله : ( وَإِذَا سَأَلَ ) هُوَ الدُّعَاء , لَكِنْ عَطَفَهُ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ تَوْكِيدًا. قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْك بِأَبِي جَهْل بْن هِشَام وَعُتْبَةَ بْن رَبِيعَة وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة وَالْوَلِيد بْن عُقْبَةَ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ( وَالْوَلِيد بْن عُقْبَةَ ) بِالْقَافِ , اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ غَلَط , وَصَوَابه ( وَالْوَلِيد بْن عُتْبَةَ ) بِالتَّاءِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر اِبْن أَبِي شَيْبَة بَعْد هَذَا , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيْره مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث عَلَى الصَّوَاب , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان فِي آخِر الْحَدِيث فَقَالَ : الْوَلِيد بْن عُقْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث غَلَط , قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْوَلِيد بْن عُقْبَةَ بِالْقَافِ هُوَ اِبْن أَبِي مُعَيْط , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْت مَوْجُودًا أَوْ كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا جِدًّا , فَقَدْ أَتَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح وَهُوَ قَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَام لِيَمْسَحَ عَلَى رَأْسه. قَوْله : ( وَذَكَرَ السَّابِع وَلَمْ أَحْفَظهُ ) وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ تَسْمِيَة السَّابِع أَنَّهُ عُمَارَة بْن الْوَلِيد. قَوْله : ( وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْت الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْم بَدْر ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيب قَلِيب بَدْر ) هَذِهِ إِحْدَى دَعَوَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَابَة , ( وَالْقَلِيب ) : هِيَ الْبِئْر الَّتِي لَمْ تُطْوَ , وَإِنَّمَا وُضِعُوا فِي الْقَلِيب تَحْقِيرًا لَهُمْ , وَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاس بِرَائِحَتِهِمْ , وَلَيْسَ هُوَ دَفْنًا لِأَنَّ الْحَرْبِيّ لَا يَجِب دَفْنه , قَالَ أَصْحَابنَا : بَلْ يُتْرَك فِي الصَّحْرَاء , إِلَّا أَنْ يُتَأَذَّى بِهِ , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي قَوْله : رَأَيْتهمْ صَرْعَى بِبَدْرٍ , وَمَعْلُوم أَنَّ أَهْل السِّيَر قَالُوا : إِنَّ عُمَارَة بْن الْوَلِيد وَهُوَ أَحَد السَّبْعَة , كَانَ عِنْد النَّجَاشِيّ , فَاتَّهَمَهُ فِي حَرَمه , وَكَانَ جَمِيلًا , فَنَفَخَ فِي إِحْلِيله سِحْرًا فَهَامَ مَعَ الْوُحُوش فِي بَعْض جَزَائِر الْحَبَشَة فَهَلَكَ , قَالَ الْقَاضِي : وَجَوَابه أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ رَأَى أَكْثَرهمْ بِدَلِيلِ أَنَّ عُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط مِنْهُمْ وَلَمْ يُقْتَل بِبَدْرٍ , بَلْ حُمِلَ مِنْهَا أَسِيرًا , وَإِنَّمَا قَتَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبْرًا بَعْد اِنْصِرَافه مِنْ بَدْر بِعِرْقِ الظُّبْيَة , قُلْت : الظُّبْيَة : ظَاء مُعْجَمَة مَضْمُومَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة تَحْت ثُمَّ هَاء , هَكَذَا ضَبَطَهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابه الْمُؤْتَلِف فِي الْأَمَاكِن , قَالَ : قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هُوَ مِنْ الرَّوْحَاء عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة.