💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَة فَقَالَ : اِعْرِفْ عِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة , فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا , وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا. قَالَ : فَضَالَّة الْغَنَم ؟ قَالَ : لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ , قَالَ فَضَالَّة الْإِبِل ؟ قَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِد الْمَاء وَتَأْكُل الشَّجَر حَتَّى يَلْقَاهَا رَبّهَا ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَرِّفْهَا سَنَة ثُمَّ اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصهَا ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : لَا يَقَع اِسْم الضَّالَّة إِلَّا عَلَى الْحَيَوَان , يُقَال : ضَلَّ الْإِنْسَان وَالْبَعِير وَغَيْرهمَا مِنْ الْحَيَوَان , وَهِيَ الضَّوَالّ , وَأَمَّا الْأَمْتِعَة وَمَا سِوَى الْحَيَوَان فَيُقَال لَهَا : لُقَطَة , وَلَا يُقَال ضَالَّة , قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : يُقَال لِلضَّوَالِّ الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي , وَاحِدَتهَا : هَامِيَة وَهَافِيَة , وَهَمَتْ وَهَفَتْ وَهَمَلَتْ إِذَا ذَهَبَتْ عَلَى وَجْههَا بِلَا رَاعٍ. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِعْرِفْ عِفَاصهَا ) مَعْنَاهُ : تَعْرِف لِتَعْلَمَ صِدْق وَاصِفهَا مِنْ كَذِبه , وَلِئَلَّا يَخْتَلِط بِمَالِهِ وَيَشْتَبِه , وَأَمَّا ( الْعِفَاص ) فَبِكَسْرِ الْعَيْن وَبِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة , وَهُوَ : الْوِعَاء الَّتِي تَكُون فِيهِ النَّفَقَة جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْره , وَيُطْلِقَا الْعِفَاص أَيْضًا عَلَى الْجِلْد الَّذِي يَكُون عَلَى رَأْس الْقَارُورَة ; لِأَنَّهُ كَالْوِعَاءِ لَهُ , فَأَمَّا الَّذِي يَدْخُل فِي فَم الْقَارُورَة مِنْ خَشَب أَوْ جِلْد أَوْ خِرْقَة مَجْمُوعَة وَنَحْو ذَلِكَ فَهُوَ الصِّمَام بِكَسْرِ الصَّاد , يُقَال : عَفْصَتهَا عَفْصًا إِذَا شَدَدْت الْعِفَاص عَلَيْهَا , وَأَعْصَفْتُهَا إِعْفَاصًا إِذَا جَعَلْت لَهَا عِفَاصًا , وَأَمَّا ( الْوِكَاء ) فَهُوَ الْخَيْط الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْوِعَاء , يُقَال : أَوَكَيَّته إِيكَاء فَهُوَ مُوكًى بِلَا هَمْز. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشَأْنك بِهَا ) هُوَ بِنَصْبِ النُّون. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَعَهَا سِقَاؤُهَا ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى وُرُود الْمِيَاه , وَتَشْرَب فِي الْيَوْم الْوَاحِد وَتَمْلَأ كِرْشهَا , بِحَيْثُ يَكْفِيهَا الْأَيَّام. وَأَمَّا ( حِذَاؤُهَا ) فَبِالْمَدِّ , وَهُوَ : أَخْفَافهَا ; لِأَنَّهَا تَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْر وَقَطْع الْمَفَاوِز. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز قَوْل : رَبّ الْمَال , وَرَبّ الْمَتَاع , وَرَبّ الْمَاشِيَة , بِمَعْنَى صَاحِبهَا الْآدَمِيّ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء , وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ إِضَافَته إِلَى مَا لَهُ رُوح دُون الْمَال وَالدَّار وَنَحْوه , وَهَذَا غَلَط لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ , وَحَتَّى يَلْقَاهَا رَبّهَا ). وَفِي حَدِيث عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ( وَإِدْخَال رَبّ الصُّرَيْمَة وَالْغُنَيْمَة ) وَنَظَائِر ذَلِكَ كَثِيرَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة ) فَمَعْنَاهُ إِذَا أَخَذْتهَا فَعَرِّفْهَا سَنَة , فَأَمَّا الْأَخْذ فَهَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ ؟ فِيهِ مَذَاهِب , وَمُخْتَصَر مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا ثَلَاثَة أَقْوَال : أَصَحّهَا عِنْدهمْ : يُسْتَحَبّ وَلَا يَجِب , وَالثَّانِي : يَجِب , وَالثَّالِث إِنْ كَانَتْ اللُّقَطَة فِي مَوْضِع يَأْمَن عَلَيْهَا إِذَا تَرَكَهَا اُسْتُحِبَّ الْأَخْذ , وَإِلَّا وَجَبَ. وَأَمَّا ( تَعْرِيف سَنَة ) فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبه إِذَا كَانَتْ اللُّقَطَة لَيْسَتْ تَافِهَة , وَلَا فِي مَعْنَى التَّافِهَة , وَلَمْ يُرِدْ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا ; بَلْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا. وَلَا بُدّ مِنْ تَعْرِيفهَا سَنَة بِالْإِجْمَاعِ , فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرِدْ تَمَلُّكهَا , بَلْ أَرَادَ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا فَهَلْ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدهمَا : لَا يَلْزَمهُ ; بَلْ إِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَأَثْبَتَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ , وَإِلَّا دَامَ حِفْظهَا. وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ , أَنَّهُ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف لِئَلَّا تَضِيع عَلَى صَاحِبهَا ; فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم أَيْنَ هِيَ حَتَّى يَطْلُبهَا , فَوَجَبَ تَعْرِيفهَا. وَأَمَّا الشَّيْء الْحَقِير فَيَجِب تَعْرِيفه زَمَنًا يَظُنّ أَنَّ فَاقِده لَا يَطْلُبهُ فِي الْعَادَة أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ الزَّمَان , قَالَ أَصْحَابنَا : وَالتَّعْرِيف أَنْ يَنْشُدهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ , وَفِي الْأَسْوَاق , وَأَبْوَاب الْمَسَاجِد , وَمَوَاضِع اِجْتِمَاع النَّاس , فَيَقُول : مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْء ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ حَيَوَان ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دَرَاهِم ؟ وَنَحْو ذَلِكَ , وَيُكَرِّر ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَة , قَالَ أَصْحَابنَا : فَيُعَرِّفهَا أَوَّلًا فِي كُلّ يَوْم , ثُمَّ فِي الْأُسْبُوع , ثُمَّ فِي أَكْثَر مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَشَأْنك بِهَا ) مَعْنَاهُ : إِنْ جَاءَهَا صَاحِبهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ , وَإِلَّا فَيَجُوز لَك أَنْ تَتَمَلَّكهَا , قَالَ أَصْحَابنَا : إِذَا عَرَّفَهَا فَجَاءَ صَاحِبهَا فِي أَثْنَاء مُدَّة التَّعْرِيف أَوْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا وَقَبْل أَنْ يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط , فَأَثْبَتَ أَنَّهُ صَاحِبهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة وَالْمُنْفَصِلَة , فَالْمُتَّصِلَة كَالسِّمَنِ فِي الْحَيَوَان , وَتَعْلِيم صَنْعَة , وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْمُنْفَصِلَة كَالْوَلَدِ وَاللَّبَن وَالصُّوف وَاكْتِسَاب الْعَبْد , وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَمَّا إِنْ جَاءَ مَنْ يَدَّعِيهَا وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ , فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقهُ الْمُلْتَقِط لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعهَا إِلَيْهِ , وَإِنْ صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْع إِلَيْهِ , وَلَا يَلْزَمهُ حَتَّى يُقِيم الْبَيِّنَة , هَذَا كُلّه إِذَا جَاءَ قَبْل أَنْ يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط , فَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا , فَلَهُ أَنْ يُدِيم حِفْظهَا صَاحِبِهَا , وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكهَا , سَوَاء كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , فَإِنْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا فَمَتَى يَمْلِكهَا ؟ فِيهِ أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهَا : لَا يَمْلِكهَا حَتَّى يَتَلَفَّظ بِالتَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقُول : تَمَلَّكْتهَا , أَوْ اِخْتَرْت تَمَلُّكهَا. وَالثَّانِي : لَا يَمْلِكهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوه. وَالثَّالِث يَكْفِيه نِيَّة التَّمَلُّك وَلَا يَحْتَاج إِلَى لَفْظ. وَالرَّابِع يَمْلِك بِمُجَرَّدِ مُضِيّ السَّنَة. فَإِذَا تَمَلَّكَهَا , وَلَمْ يَظْهَر لَهَا صَاحِب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , بَلْ هُوَ كَسْب مِنْ أَكْسَابه لَا مُطَالَبَة عَلَيْهِ بِهِ فِي الْآخِرَة , وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا بَعْد تَمَلُّكهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة دُون الْمُنْفَصِلَة , فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ بَعْد التَّمَلُّك لَزِمَ الْمُلْتَقِطَ بَدَلُهَا عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور , وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يَلْزَمهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله : ( فَضَالَّة الْغَنَم , قَالَ : لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ) مَعْنَاهُ الْإِذْن فِي أَخْذهَا , بِخِلَافِ الْإِبِل. وَفَرَّقَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا , وَبَيَّنَ الْفَرْق بِأَنَّ الْإِبِل مُسْتَغْنِيَة عَنْ مَنْ يَحْفَظهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا وَوُرُودهَا الْمَاء وَالشَّجَر , وَامْتِنَاعهَا مِنْ الذِّئَاب وَغَيْرهَا مِنْ صِغَار السِّبَاع , وَالْغَنَم بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَلَك أَنْ تَأْخُذهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبهَا , أَوْ أَخُوك الْمُسْلِم الَّذِي يَمُرّ بِهَا أَوْ الذِّئْب فَلِهَذَا جَازَ أَخْذهَا دُون الْإِبِل. ثُمَّ إِذَا أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا سَنَة , وَأَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا لَزِمَتْهُ غَرَامَتهَا عِنْدنَا وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقَالَ مَالِك : لَا تَلْزَمهُ غَرَامَتهَا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُر لَهُ غَرَامَة. وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ) وَأَجَابُوا عَنْ دَلِيل مَالِك بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْغَرَامَة وَلَا نَفَاهَا , وَقَدْ عَرَّفَ وُجُوبهَا بِدَلِيلٍ آخَر.