💡شرح النووي على مسلم
قَوْلهَا : ( أَدْنَيْت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْله مِنْ الْجَنَابَة ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْن , وَهُوَ الْمَاء الَّذِي يُغْتَسَل بِهِ. قَوْلهَا : ( ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْض فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَلْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إِذَا فَرَغَ أَنْ يَغْسِل يَده بِتُرَابٍ أَوْ أُشْنَان أَوْ يَدْلُكهَا بِالتُّرَابِ أَوْ بِالْحَائِطِ , لِيَذْهَب الِاسْتِقْذَار مِنْهَا. قَوْلهَا ( ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسه ثَلَاث حَفَنَات مِلْء كَفّه ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأَصْل الَّتِي بِبِلَادِنَا ( كَفّه ) بِلَفْظِ الْإِفْرَاد , وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ , وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ ( كَفَّيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ , وَهِيَ مُفَسِّرَة لِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ , ( وَالْحَفْنَة ) مِلْء الْكَفَّيْنِ جَمِيعًا. قَوْلهَا : ( ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَرْكِ تَنْشِيف الْأَعْضَاء , وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاء أَصْحَابنَا فِي تَنْشِيف الْأَعْضَاء فِي الْوُضُوء وَالْغُسْل عَلَى خَمْسَة أَوْجُه : أَشْهَرهَا : أَنَّ الْمُسْتَحَبّ تَرْكُهُ , وَلَا يُقَال : فِعْلُهُ مَكْرُوه. وَالثَّانِي أَنَّهُ مَكْرُوه. وَالثَّالِث : أَنَّهُ مُبَاح , يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارهُ , فَإِنَّ الْمَنْع وَالِاسْتِحْبَاب يَحْتَاج إِلَى دَلِيل ظَاهِر. وَالرَّابِع : أَنَّهُ مُسْتَحَبّ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِرَاز عَنْ الْأَوْسَاخ. وَالْخَامِس : يُكْرَه فِي الصَّيْف دُون الشِّتَاء. هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ فِي التَّنْشِيف عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب : أَحَدهَا : أَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ فِي الْوُضُوء وَالْغُسْل , وَهُوَ قَوْل أَنَس بْن مَالِك وَالثَّوْرِيِّ. وَالثَّانِي : مَكْرُوه فِيهِمَا , وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن أَبِي لَيْلَى. وَالثَّالِث : يُكْرَه فِي الْوُضُوء دُون الْغُسْل , وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. وَقَدْ جَاءَ فِي تَرْكِ التَّنْشِيف هَذَا الْحَدِيث وَالْحَدِيث الْآخَر فِي الصَّحِيح : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِغْتَسَلَ وَخَرَجَ وَرَأْسه يَقْطُر مَاء , وَأَمَّا فِعْلُ التَّنْشِيف , فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ أَوْجُهٍ , لَكِنَّ أَسَانِيدهَا ضَعِيفَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصِحّ فِي هَذَا الْبَاب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء , وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى إِبَاحَة التَّنْشِيف , بِقَوْلِ مَيْمُونَة فِي هَذَا الْحَدِيث : وَجَعَلَ يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا , يَعْنِي يَنْفُضهُ. قَالَ : فَإِذَا كَانَ النَّفْض مُبَاحًا , كَانَ التَّنْشِيف مِثْله , أَوْ أَوْلَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِزَالَة الْمَاء. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا ( الْمِنْدِيل ) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَهُوَ مَعْرُوف , وَقَالَ اِبْن فَارِس : لَعَلَّهُ مَأْخُوذ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْل , وَقَالَ غَيْره : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ النَّدْل , وَهُوَ الْوَسَخ ; لِأَنَّهُ يُنْدَلُ بِهِ , وَيُقَال : تَنَدَّلْت بِالْمِنْدِيلِ , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَيُقَال أَيْضًا : تَمَنْدَلْت بِهِ , وَأَنْكَرَهَا الْكِسَائِيّ. وَاللَّهُ أَعْلَم.