💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( قَالَ عَمْرو : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ قَالَ وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ , وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ بِالْوَاوِ وَهِيَ صَحِيحَة مَلِيحَة , وَإِنَّمَا أَتَى بِالْوَاوِ لِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ لِعَمْرٍو : قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ كَذَا فَإِذَا رَوَى عَمْرو الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيث أَتَى بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ فِي الثَّانِي : وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ كَذَا , وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى مِثْل هَذَا مَرَّات فِي أَوَّل الْكِتَاب. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث عَمْرو النَّاقِد : ( مَثَل الْمُنْفِق وَالْمُتَصَدِّق كَمَثَلِ رَجُل عَلَيْهِ جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ لَدُنْ ثَدْيِهِمَا إِلَى تَرَاقِيهمَا ) ثُمَّ قَالَ : ( فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِق أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيل أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي جَمِيع النُّسَخ مِنْ رِوَايَة عَمْرو ( مَثَل الْمُنْفِق وَالْمُتَصَدِّق ) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : هَذَا وَهْمٌ , وَصَوَابه مِثْل مَا وَقَعَ فِي بَاقِي الرِّوَايَات مَثَل الْبَخِيل وَالْمُتَصَدِّق , وَتَفْسِيرهمَا آخِرَ الْحَدِيث يُبَيِّن هَذَا , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّ صِحَّةَ رِوَايَة عَمْرو هَكَذَا أَنْ تَكُون عَلَى وَجْههَا , وَفِيهَا مَحْذُوف تَقْدِيره : مَثَل الْمُنْفِق وَالْمُتَصَدِّق وَقَسِيمهمَا وَهُوَ الْبَخِيل , وَحَذَفَ الْبَخِيل لِدَلَالَةِ الْمُنْفِق وَالْمُتَصَدِّق عَلَيْهِ كَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ } أَيْ وَالْبَرْد , وَحَذَفَ ذِكْر الْبَرْد لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله : ( وَالْمُتَصَدِّق ) فَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول ( الْمُتَصَدِّق ) بِالتَّاءِ , وَفِي بَعْضهَا ( الْمُصَدِّق ) بِحَذْفِهَا وَتَشْدِيد الصَّاد , وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَأَمَّا قَوْله : ( كَمَثَلِ رَجُل ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول كُلّهَا ( كَمَثَلِ رَجُل ) بِالْإِفْرَادِ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ تَغْيِير مِنْ بَعْض الرُّوَاة , وَصَوَابه : ( كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ ). وَأَمَّا قَوْله : ( جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَان ) , فَالْأَوَّل بِالْبَاءِ وَالثَّانِي بِالنُّونِ , وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول عَكْسه. وَأَمَّا قَوْله : ( مِنْ لَدُنْ ثَدْيهمَا ) فَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة أَوْ أَكْثَرهَا ( ثَدْيهمَا ) بِضَمِّ الثَّاء وَبِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَة عَلَى الْجَمْع , وَفِي بَعْضهمَا ( ثَدْيَيْهِمَا ) بِالتَّثْنِيَةِ , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَوْهَام كَثِيرَة مِنْ الرُّوَاة وَتَصْحِيف وَتَحْرِيف وَتَقْدِيم وَتَأْخِير , وَيُعْرَفُ صَوَابُهُ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي بَعْده , فَمِنْهُ : مَثَل الْمُنْفِق وَالْمُتَصَدِّق , وَصَوَابه : الْمُتَصَدِّق وَالْبَخِيل , وَمِنْهُ : كَمَثَلِ رَجُل , وَصَوَابه : رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَان , وَمِنْهُ قَوْله : جُنَّتَان أَوْ جُبَّتَانِ بِالشَّكِّ , وَصَوَابه ( جُنَّتَان ) بِالنُّونِ بِلَا شَكّ , كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر بِالنُّونِ بِلَا شَكّ. وَالْجُنَّة : الدِّرْع , وَيَدُلّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث نَفْسه قَوْله : ( فَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( جُنَّتَان مِنْ حَدِيد ) , وَمِنْهُ قَوْله سَبَغَتْ عَلَيْهِ أَوْ ( مَرَّتْ ) كَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( مَرَّتْ ) بِالرَّاءِ , قِيلَ : إِنَّ صَوَابه ( مُدَّتْ ) بِالدَّالِ بِمَعْنَى سَبَغَتْ , وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر ( اِنْبَسَطَتْ ) , لَكِنَّهُ قَدْ يَصِحّ مَرَّتْ عَلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنَى. وَالسَّابِغ : الْكَامِل , وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ( مَادَتْ ) بِدَالٍ مُخَفَّفَةٍ مِنْ ( مَادَ ) إِذَا مَالَ , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( مَارَتْ ) وَمَعْنَاهُ : سَالَتْ عَلَيْهِ وَامْتَدَّتْ , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ : تَرَدَّدَتْ وَذَهَبَتْ وَجَاءَتْ يَعْنِي لِكَمَالِهَا , وَمِنْهُ قَوْله : ( وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيل أَنْ يُنْفِق قَلَصَتْ عَلَيْهِ وَأَخَذَتْ كُلّ حَلْقَة مَوْضِعهَا حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ , وَيَعْفُوَ أَثَرُهُ , قَالَ : فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُوَسِّعهَا فَلَا تَتَّسِع ). وَفِي هَذَا الْكَلَام اِخْتِلَال كَثِير , لِأَنَّ قَوْله : ( تُجِنّ بَنَانه وَيَعْفُو أَثَره ) إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُتَصَدِّق لَا فِي الْبَخِيل , وَهُوَ عَلَى ضِدّ مَا هُوَ وَصْف الْبَخِيل فِي قَوْله : ( قَلَصَتْ كُلّ حَلْقَة مَوْضِعهَا ) وَقَوْله : ( يُوَسِّعهَا فَلَا تَتَّسِع ) وَهَذَا مِنْ وَصْف الْبَخِيل , فَأَدْخَلَهُ فِي وَصْف الْمُتَصَدِّق فَاخْتَلَّ الْكَلَام وَتَنَاقَضَ , وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَحَادِيث عَلَى الصَّوَاب , وَمِنْهُ رِوَايَة بَعْضهمْ : " تَحُزُّ ثِيَابَهُ " بِالْحَاءِ وَالزَّاي وَهُوَ وَهْمٌ , وَالصَّوَاب رِوَايَة الْجُمْهُور ( تُجِنّ ) بِالْجِيمِ وَالنُّون أَيْ تَسْتُر , وَمِنْهُ رِوَايَة بَعْضهمْ ( ثِيَابه ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَهُوَ وَهْمٌ , وَالصَّوَاب ( بَنَانَهُ ) بِالنُّونِ , وَهُوَ رِوَايَة الْجُمْهُور كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر ( أَنَامِله ) وَمَعْنَى تَقَلَّصَتْ : اِنْقَبَضَتْ , وَمَعْنَى ( يَعْفُو أَثَره ) أَيْ يَمَّحِي أَثَرُ مَشْيِهِ بِسُبُوغِهَا وَكَمَالهَا , وَهُوَ تَمْثِيل لِنَمَاءِ الْمَال بِالصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاق , وَالْبُخْل بِضِدِّ ذَلِكَ , وَقِيلَ : هُوَ تَمْثِيل لِكَثْرَةِ الْجُود وَالْبُخْل , وَأَنَّ الْمُعْطِي إِذَا أَعْطَى اِنْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ , إِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَة لَهُ , وَقِيلَ : مَعْنَى يَمْحُو أَثَره أَيْ يَذْهَب بِخَطَايَاهُ وَيَمْحُوهَا , وَقِيلَ : فِي الْبَخِيل ( قَلَصَتْ وَلَزِمَتْ كُلّ حَلْقَة مَكَانهَا ) أَيْ يُحْمَى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُكْوَى بِهَا , وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَالْحَدِيث جَاءَ عَلَى التَّمْثِيل لَا عَلَى الْخَبَر عَنْ كَائِن , وَقِيلَ : ضُرِبَ الْمَثَلُ بِهِمَا ; لِأَنَّ الْمُنْفِق يَسْتُرهُ اللَّه تَعَالَى بِنَفَقَتِهِ , وَيَسْتُر عَوْرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَسَتْرِ هَذِهِ الْجُنَّة لَابِسَهَا , وَالْبَخِيل كَمَنْ لَبِسَ جُبَّة إِلَى ثَدْيَيْهِ فَيَبْقَى مَكْشُوفًا بَادِيَ الْعَوْرَةِ مُفْتَضِحًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى.